قضايا ودراسات

فإن سألتم عنّا

شيخة الجابري

أذكر فيما أذكر أنني كنتُ أكتب الرسائل على صيغة القالب القديم، حينما تُطلب مني، بذاك الأسلوب الأدبي العذب، والسلاسة اللغوية الآسرة، والتي كانت من أجمل الآثار الإنسانية المتصلة بفن المراسلات وأدب الرسائل، والتي عرفها أبناء الخليج بشكل عام، فقد كان للرسالة مدخل يبدأ بالبسملة، ثم التحية التي تأتي بمقدمة تُشبه الاستهلال الطللي في القصيدة العربية، ولكنه ينحو نحو الأخلاقي من فن التعامل مع الآخرين، حيث كانت الرسائل تحمل في مضامينها قيماً وأبعاداً إنسانية رفيعة امتدت عبر أجيال عديدة، وكانت بمثابة الدستور الأدبي الذي حفظه الجميع كأعذب الأقوال التي وضعتنا عند اللبنة الأولى لكيفية الكتابة، والتواصل مع الآخر.
إن تلك الديباجة التمهيدية الأولى التي تحملها الرسالة «تحية طيبة، وأما بعد» هي المدخل الرئيس للبدء في موضوع الخطاب الذي يُستهل بالسؤال عن الأحوال والاطمئنان من وعلى المرسل والمرسل إليه، من مثل قولهم «فيسرنا ونحن نرسل لكم خطابنا هذا أن يصلكم وأنتم ترفلون في ثوب الصحة والعافية، وإذا سألتم عنّا فنحن لله الحمد بخير وعافية، ولا نشكو بأساً ولا ينقصنا سوى رؤيتكم الكريمة»، بعد ذلك يُذكر السبب الذي من أجله كتبت الرسالة، وهكذا يسير الخطاب إلى أن ينتهي بالخاتمة التي تحمل التحايا والأمنيات الطيبات، والسلام على بعض الأفراد بذكر أسمائهم فرداً، فرداً.
لقد كانت الرسائل تلك أولى وسائل التواصل الاجتماعي التي عرفتها مجتمعاتنا، والتي كانت تحمل الكثير من المشاعر النبيلة تجاه المرسل إليه وعائلته أو من يعزّ عليه ممن حوله، حيث كانوا يكتبون بالشكل التالي«الأخ العزيز أو الغالي فلان بن فلان بن فلان، ثم قبيلته»، وبعد ذلك يأتي موضوع الرسالة.
ومع تغيّر الزمن وتطور المجتمعات انقطعت تلك الرسائل الورقية الدافئة، وحلت محلها الهواتف النقالة بكل ما تحمله من خير أو شر، وفي زمننا الحالي طغت وسائل التواصل الاجتماعي على الأشكال الأخرى من طرق التواصل، وصارت الرسالة المفعمة بالمحبة، والمشحونة بالعاطفة إما حروفاً مجتزأة على «تويتر»، أو بطاقة معلقة على صندوق هدايا، أو كلمتين في «سناب» تُرسلان خلال ثوانٍ ثم تتلاشى. الزمن الجميل ذاك الذي يحنّ إليه أغلبيتنا لم تبقَ منه سوى الذكريات، وإن سألتم عنّا، فإننا لاهون ولاهثون وراء التقنيات الحديثة التي أفقدتنا قيمة ودفء التواصل الإنساني الحقيقي النبيل.

Qasaed21@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى