قضايا ودراسات

ترامب في باريس

صادق ناشر

زيارتان مهمتان قام بهما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أوروبا في غضون أيام قليلة، الأولى كانت في إطار مشاركته في قمة مجموعة ال 20، والثانية الزيارة الخاصة التي قام بها إلى فرنسا بمناسبة إحياء ذكرى اقتحام سجن الباستيل وقيام الثورة الفرنسية.
في الزيارة الأولى كانت أبرز لقاءاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو أول لقاء يجمع الرجلين منذ تولي ترامب مقاليد السلطة في البيت الأبيض، والثانية التقى فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الشاب الذي دخل قصر الإليزيه من أوسع أبوابه وغير نظرة الفرنسيين والعالم إلى منصب رئيس الجمهورية ومنحه بعداً مختلفاً.
في زيارتي ترامب ولقاءاته مع بوتين وماكرون، هيمنت قضايا العرب وأزماتهم على لقاءاتهم، وبالطبع كان للأزمة السورية نصيب الأسد في هذه اللقاءات والمحادثات، بل إنها كانت في صلب كل النقاشات التي دارت بين الرؤساء الثلاثة، الذين حاولوا إيجاد أرضية صلبة لحل الأزمة.
وكما كانت الأزمة السورية حاضرة بقوة في اللقاءات المذكورة، كانت قضية الحرب على تنظيم «داعش» حاضرة هي الأخرى بكل تجلياتها وتداعياتها، وخاصة بعد الانتصارات الكبيرة التي تحققت على يد الجيش العراقي بدعم من قوات التحالف، وقرار ملاحقة هذا التنظيم في بقية مناطق تواجده وخصوصاً في عاصمته الجديدة في تلعفر.
وضع الزعماء الأجانب حلولاً لأزمات العرب في سوريا، التي ظلت لسنوات مستعصية الحل، فيما
لا يزال العرب يتقاتلون فيما بينهم في أكثر من نقطة ساخنة، والقتال يستعر في أكثر من مدينة وقرية، والكل يريد التخلص من الآخر ولو على حساب ملايين الناس، الذين بدأوا يهجرون بلدانهم باتجاه أوروبا وغيرها.
لم يصنع الكثير من القادة العرب لشعوبهم سوى المآسي والأزمات، وفي القمم التي تجمع الكبار يأملون في تدخلات الكبار لحل المشاكل التي صنعوها ويصنعونها بأيديهم، وقد تمكنت أكثر من ساعتين من المباحثات بين بوتين وترامب في قمة ال20 من إيجاد حل جزئي في سوريا بإعلان وقف إطلاق النار في جنوبي البلاد، وهو وقف صامد حتى اليوم، ولم يجرؤ أحد على خرقه، لأن «الكبيرين» يضمنان تطبيقه.
يحدث هذا في وقت يطالب فيه بعض الحكام العرب بعدم إدخال العامل الأجنبي في شؤون بلادهم، لكنهم مستعدون لخوض حروب ضد شعوبهم ل100 سنة وأكثر إذا لم يتدخل هذا الأجنبي الذي ليس له يد في ما يجري على أرضنا.
يغيب العرب ويحضر الأجانب لحل مشاكلهم وصراعاتهم، وهذا واضح وجلي في المشهد الذي نراه اليوم، فالحرب ضد «داعش» والصراع الدامي بين النظام السوري ومعارضيه كانت ستستمر لأعوام قادمة، لو لم يتدخل الكبار لوضع نهاية لها.
قبل أيام كانت قمة مع بوتين وأمس الأول قمة أخرى مع ماكرون، وفيهما حاول ترامب أن يؤكد أن الكبار عندما يتكلمون يصمت الآخرون، وعندما يقرر الكبار ينفذ الصغار من دون نقاش، وهذا ما يحصل اليوم.

sadeqnasher8@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى