قضايا ودراسات

ممنوع الاقتباسات

د. حسن مدن

يعيب ألبرتو مانجويل على الطلبة الأوروبيين، الذين انتفضوا في ستينات القرن العشرين متمردين على المؤسسة التعليمية والسياسية التي شاخت، أحد الشعارات التي رفعوها في انتفاضتهم، خصوصاً في الجامعات الفرنسية: «ممنوع هنا الاقتباسات».
كان هذا الشعار واحداً من الشعارات البليغة يومها، من قبيل: «ممنوع المنع»، أو «كونوا واقعيين واطلبوا المستحيل»، وسواهما.
تحفُظ مانجويل ليس على مطالب الطلبة وتوقهم لحياة أفضل، ولكنه ينحصر فيما يمكن أن يُؤوّل به شعارهم عن منع الاقتباسات، إذا ما تُرك باب التأويل له مشرعاً على المعاني المختلفة، بما فيها التأويل الذي يدفع في اتجاه القطيعة مع الذاكرة.
كان طلبة فرنسا وأوروبا، حينها، يريدون القول: لقد يئسنا من نظام التعليم التقليدي البائس. نريد نظاماً تعليمياً جديداً، تقدمياً، لكن مانجويل يطرح الأسئلة التالية: «أليست العبارة المقتبسة هي مواصلة الحوار مع الماضي لإضفاء معنى على الحاضر». الاقتباس، يقول مانجويل «يعني أن نفيد من مكتبة بابل، وأن نتأمل بما قيل قديماً، وإن لم نفعل ذلك فإننا سنتكلم في فراغ».
مَن على حق في هذا السجال: «الطلبة الذين يطالبون بمنع الاقتباسات أو مانجويل الذي يحث على التبصر في محتوى الشعار ودلالاته، من زاوية حاجتنا إلى معرفة التاريخ، إلى العودة إليه»، مستشهداً بقول والتر بنجامين «إن كتابة التاريخ هي الاستشهاد بالتاريخ».
ليس من باب التوفيقية القول إن الطلبة كانوا على حق، ومانجويل أيضاً محق في تحفظه على شعارهم، تبعاً للزاوية التي سننظر بها إلى الموضوع.
هنا علينا التفريق بين غربلة التاريخ، من حيث هو وقائع وأداور، ومن اجتراره وإضفاء قدسية عليه هي ليست له على كل حال، فكما في الحاضر يتعايش الحق والباطل أو يتصارعان، فإنهما فعلا الشيء نفسه في الماضي، في التاريخ، وهذه الغربلة هي نفسها التي أطلقنا عليها، سابقاً، نقد الذاكرة الجمعية.
إذا كانت أوروبا طرحت على نفسها، من خلال حركة الطلبة المشار إليها، مهمة منع الاقتباسات، أي منع اجترار الماضي، وهي القارة التي تفصلنا عنها في هذه اللحظة سنوات ضوئية من حيث التقدم المعرفي والحضاري، فكيف هو الحال عندنا، حيث تدل الوقائع أننا قابعون في الماضي، تفكيراً وسلوكاً وعصبيات، فرغم أن أجسادنا تتحرك على الأرض في القرن الحادي والعشرين، لكن عقولنا قابعة هناك في الماضي، تستعير من عدته أكثر الصفحات سواداً ودموية لتوظفها في صراعات الحاضر.
هي نفسها ثنائية الإبداع والاتباع التي لم يحسمها عقلنا العربي حتى اللحظة ما جعلت مفكراً كبيراً مثل نصر حامد أبوزيد يقول: «ثقافتنا تعبد النصوص. يكفي أن تقول: قال فلان ليتوقف العقل».

dr.h.madan@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى