قضايا ودراسات

روّاد إماراتيون شيّدوا حضارة

يشير الشاعر الراحل د. أحمد أمين المدني في أكثر من حديث صحفي إلى التقائه ببدر شاكر السياب في بغداد، وذلك خلال دراسة المدني، في العراق في العام 1949، أي في الفترة التي كان فيها السياب نجم التجديد في الشعر العربي ونقله من نظام الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى نظام التفعيلة في ما كان يسمى الريادة الشعرية في أربعينات وخمسينات القرن العشرين ضمن كوكبة من المتنافسين على هذه الريادة: نازك الملائكة، عبدالوهاب البياتي، بلند الحيدري، وغيرهم من شعراء عرب دخلوا أيضاً على خط الأسبقية الشعرية في قصيدة التفعيلة، والتي تثار في الصحافة الثقافية حتى اليوم.

في تلك البيئة الشعرية الريادية كان د. المدني قريباً من السياب.. يقول في حوار مع عبد الوهاب قتاية.. «كان صديقي، وقد عرفته في البصرة عامي 1949 و1950، حيث التقيت به في مكتبة شاعر يسمى هاشم الجواهري»، ويوضح د. المدني أنه كان يتردد على بيت السياب عندما انتقل من البصرة إلى بغداد وكانا يتبادلان قراءة الشعر والنقاشات الأدبية والثقافية.
أريد القول إن النصف الأول من القرن العشرين وحتى الستينات والسبعينات لم تكن فترة ثقافية تجديدية على مستوى عواصم الثقافة العربية التقليدية فقط، بل، كانت أيضاً المنطقة الخليجية العربية مكاناً حيوياً للإبداع ورواد الثقافة والفكر والتعليم، وكانت الإمارات بيئة ثقافة مبكرة، وبيئة تعليم نظامي مبكر أيضاً، وكما هو معروف، فإن للتجار الإماراتيين القدامى دوراً.. تاريخياً لا ينسى ولا يزول من ذاكرة أبناء وبنات الإمارات في دعم المدارس مادياً ومعنوياً، وتوفير مناخ اجتماعي واقتصادي لنهضة التعليم في أربعينات وخمسينات وستينات القرن العشرين.
القراءة والولع بها كان أمراً مبكراً أيضاً في الإمارات، وها هو سلطان بن علي العويس يتحدث عن منطقة «الحيرة» في الشارقة مشيراً إلى اقبال أفراد عائلته والمحيط الاجتماعي العام في «الحيرة» على القراءة واقتناء الكتب.. وذلك قبل أكثر من خمسين عاماً.. يقول: «كانت هناك كتاتيب ولم تكن هناك مدارس. المدارس جاءت في ما بعد ودخلت هذه القرية (يقصد الحيرة).. كذلك كانت هناك كمية من الكتب وأكثر الموجودين في القرية كانوا من العائلة وعندهم ثروة لا بأس بها يسّرت لهم أن يشتروا الكتب ويتصلوا بالعالم وصار عندهم مكتبات صغيرة، وليست كبيرة، ولكنهم كانوا يقرؤون..».
تقول المدوّنات الثقافية الشعبية الإماراتية إن المرأة كانت تقرأ وتكتب، وتسرد التاريخ والحكايات في أربعينات وخمسينات القرن العشرين، وأقدم من ذلك بكثير ظهر الماجدي بن ظاهر (1781 ــ 1871)، وتحتفظ الذاكرة الإماراتية بشعر راشد الخضر 1905ــ 1980)، أما الجذر الثقافي والعلمي والملاحي أحمد بن ماجد، ففي سيرته لغة وروح رأس الخيمة.
الإمارات.. بيئة ثقافة وتاريخ وإعلام ورواد أسسوا لحضارات قديمة تراثها يمتد إلى اليوم.. وإلى المستقبل.

يوسف أبولوز
y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى