قضايا ودراسات

«الجبارين» في الأقصى

عبارة «شعب الجبارين» الشهيرة التي طالما كان يرددها ياسر عرفات في مختلف المناسبات، خصوصاً عقب تصدي الفلسطينيين لكل اعتداء أو جريمة من جرائم الاحتلال الصهيوني، لم تكن موجهة، على وجه التحديد، لعائلة الجبارين في مدينة أم الفحم داخل المناطق المحتلة عام 1948، وإنما كانت تشمل جميع الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم.
نستحضر هذه العبارة اليوم، لتأكيد دلالة ورمزية عملية الأقصى الفدائية التي جسدها ثلاثة شبان من عائلة الجبارين، اسماً على مسمى، باعتبارهم جزءاً من «شعب الجبارين». هؤلاء الشبان لم يحملوا أية بطاقة فصائلية، كما أن أحداً من الفصائل لم يعلن تبنيه للعملية، وإن كان الجميع، عدا السلطة، تسابق على الترحيب بها ومباركتها، ما يعني أنها جزء من الحالة الشعبية الرافضة للاحتلال وجرائمه واقتحاماته اليومية للمسجد الأقصى، ومحاولاته الدؤوبة لتهويده وتقسيمه زمانياً ومكانياً، كما فعلت في الحرم الإبراهيمي في الخليل، وحتى محاولات هدمه وإقامة الهيكل المزعوم في مكانه.
بهذا المعنى، فإن العملية تمثل امتداداً للهبة الشعبية التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2015، وتميزت بعمليات الطعن والدهس، والتي تراجعت في الفترة الأخيرة بفعل آلة الاحتلال القمعية والتنسيق الأمني، حتى ظن الاحتلال واهماً أنها انتهت. وهي أيضاً تمثل امتداداً طبيعياً لانتفاضة الأقصى عام 2000، التي اندلعت في أعقاب اقتحام شارون وقواته للحرم القدسي، وإطلاق النار على المصلين، وهي قبل هذا وذاك جزء من معركة الفلسطينيين المفتوحة مع الاحتلال، والتي لن تنتهي إلا بزوال هذا الاحتلال، وإعادة الأرض والحقوق إلى أصحابها الشرعيين.
أهمية العملية تكمن في أنها اخترقت كل الحواجز الأمنية للاحتلال، وجاءت من عمق فلسطين المحتلة عام 1948، حيث تجري محاولات تهميش الفلسطينيين، ومحو هويتهم الوطنية، وإخضاعهم على أرضهم بالقوة لمنطق الاحتلال وقوانينه العنصرية. وهي بقدر ما هي رد على جرائم الاحتلال وظلمه وجبروته وتدنيسه للمقدسات، فإن التصعيد الصهيوني بإغلاق المسجد الأقصى ومنع صلاة الجمعة فيه للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن، واستنفار وتعزيز قواته في الضفة الغربية وإثارة غضب المسلمين في العالم، ينذر لا محالة بدفع المنطقة إلى حرب دينية لا أحد يستطيع التكهن بنتائجها، فالأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهو ليس ملكاً للفلسطينيين وحدهم، والذين هم طلائع المدافعين عنه، وبالتالي لا بد من حسم هذا الملف بتأكيد فلسطينية وعروبة وإسلامية المسجد الأقصى، ومنع الاحتلال وقطعان مستوطنيه من الاقتراب منه أو الحفر تحت أساساته، هذا إذا أريد للمنطقة أن تنجو من مثل هذه الحرب في نهاية المطاف.

يونس السيد
younis898@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى