قضايا ودراسات

ما أُنفق على «الجهاد»

د. حسن مدن

نضع مفردة «الجهاد» بين مزدوجين، لأنها باتت، ويا للمفارقة، من أكثر المفردات ابتذالاً وبعثاً على الخوف وقشعريرة الأبدان، لشدة ما اقترنت بممارسات وحشية وهمجية، أبعد ما تكون عن روح الجهاد في صحيحه، من حيث هو ذود عن أوطان يحتلها مستعمرون، ومن حيث هو تبشير بقيم نبيلة وأفكار تهذّب النفس الإنسانية وترتقي بها إلى مدارج الحضارة.
لن نذهب بعيداً في عمق التاريخ الإسلامي لنتحدث عن مضمون الجهاد ومغازيه، ونترك ذلك لأهل الاختصاص، ولكننا سنتحضر أمثلة من تاريخنا القريب جداً، ولنتحدث، مثلاً، عن المجاهد السوري يوسف العظمة الذي قاد جيشاً من المتطوعين في مواجهة الفرنسيين وهم يتقدمون لاحتلال وطنه، واستشهد في معركة غير متكافئة مع قوات العدو المدججة بالأسلحة المتطورة، ليغدو رمزاً وطنياً للسوريين حتى اللحظة.
ولنتحدث عن المجاهد المقدسي عبد القادر الحسيني الذي قاد بشجاعة، النضال الوطني الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني، وضد المشروع الصهيوني لاحتلال فلسطين وطرد شعبها منها، ومثل يوسف العظمة استشهد الحسيني في معركة غير متكافئة عام 1948 بعد أن خذلته الدول العربية، بعدم مدّه بما كان يحتاجه من سلاح وذخيرة.
يمكن أن نستطرد فنشير إلى المجاهد عمر المختار في ليبيا، وإلى المجاهدين الجزائريين الذين قدّموا أكثر من مليون شهيد لتحرير وطنهم من الاستعمار الفرنسي.
أين «مجاهدو» اليوم، الذين وفّرت استخبارات الدول الأجنبية والعربية التدريب والدعم، ومدتهم بأشد الأسلحة فتكاً، من مجاهدي الأمس الأبطال، الشرفاء، الوطنيين؟
وإذا فهمنا أن للدول الأجنبية مصالح وحسابات في منطقتنا، تجعلها توظّف هؤلاء القتلة المعتوهين في حروب ضد أوطانهم وشعوبهم، كيف لنا أن نفسر أن أموالاً عربية طائلة أنفقت على هؤلاء، فأرسلوا إلى العراق وسوريا وليبيا واليمن، وربما إلى الجزائر وتونس وغيرها؟
لنا أن نسأل ماذا لو أنفقت كل الأموال التي تلقتها الجماعات الإرهابية، لا بل نصف هذه الأموال وحتى ربعها، على إقامة المدارس في القرى النائية والنجوع المحرومة في بلاد العرب الشاسعة، لتنير بصيرة الأطفال والناشئة بنور العلم، وماذا لو أنفقت على بناء وتجهيز المستشفيات والمستوصفات هناك، لتأمين العناية الطبية لأهالي تلك المناطق، وماذا لو أنفقت في شق الشوارع وبناء السدود والجسور. لنا أن نتخيل، فقط، كيف ستكون أحوال أولئك العرب الفقراء المعدومين.
منذ البداية: ما شأننا نحن في إنفاق ما أنفقنا من أموال وإرسال ما أرسلنا من رجال وأسلحة، في معركة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ولنُخرّج، بالنتيجة، جيوشاً جرارة تتناسل من التكفيريين والإرهابيين، يجري نقلهم من بلد إلى آخر حتى الساعة؟.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى