قضايا ودراسات

بناء الأوطان لا تدميرها

د. حسن مدن

كل طفل هو فنان بالفطرة. هكذا يعتقد أرنستو ساباتو. فالأطفال يغنّون ويرقصون ويرسمون ويقصّون الحكايات ويبنون قصوراً من الرمال.
بوسع الآباء والأمهات منا أن يلاحظوا ذلك على أطفالهم الصغار، وبوسع الأجداد والجدات كذلك أن يلاحظوه في سلوك أحفادهم إن كانوا نسوا ما كان عليه أولادهم الذين كبروا يوم كانوا أطفالاً.
في لحظة من اللحظات يكف غالبية الأطفال عن أن يكونوا كذلك. المجتمع يقمع عندهم هذه الميول ويدمرها، خاصة في مجتمعاتنا التي ما أن يبدأ الطفل فيها يفك الحرف أو يبني جملة مفيدة حتى يجابه بقائمة المحرمات.
ليس كل الناس ولدوا ليكون عباقرة في الفن أو في العلم، ولكن هناك فرقاً بين تلميذ تأخذه معلمته أو والداه إلى المتاحف الفنية، وينال تشجيعاً على الانضمام لنادي قراءة الأدب أو فرقة التمثيل أو الغناء في مدرسته، ويدرب على العزف على البيانو أو العود، وبين تلميذ آخر يجابه، وهو في العمر ذاته بأقوال: الرسم حرام، والموسيقى حرام، وكذلك المسرح.
الأول حين يصبح شاباً يافعاً تكون قد تشكلت لديه مهارات تذوق الفن الرفيع وحب المسرح أو القراءة، واحترام المرأة، أما الثاني فسيغدو ميالاً للاستماع إلى سليمان العودة، مثلاً، وهو يحاضر عن الطول الذي يجب أن تكون عليه لحية الشاب، معززاً أقواله بمزاعم من الماضي مشكوك في نسبها، وسيرى هذا الشاب، نتيجة هذا الطراز من المحاضرات، في المرأة التي هي أمه وأخته وزوجته ونصف مجتمعه مجرد «عورة».
العلّة ليست في العناية ب «تربية» اللحية، وإنما في تحويل قضية مثلها إلى قضية كبرى، وما أكثر ما يكون ذاك مقدمة لتحضير هذا الشاب للذهاب لتفجير نفسه على أرض ما، قد تكون أرض بلاده نفسها، انتقاماً من المجتمع «الجاهلي الكافر»، الذي هو نفسه مجتمع والديه وأخوته وأقاربه وأبناء عشيرته أو قبيلته.
تستقبل الفصول الدراسية في مدارسنا العربية كل سنة ملايين التلاميذ من الجنسين. إنهم جميعاً أبرياء، بعقول غضّة، لدنة، لم تتشكل معارفها بعد. ومن خلال نوع التعليم الذي يقدّم لهؤلاء نستطيع أن نشكل طبيعة «الوعي» الذي سيكونون عليه بعد حين.
يمكن للكثيرين منهم، بأنظمة تعليم بالية تحض على كراهية الآخر والخوف منه، وعلى تكفير المجتمع برمته أن يتحوّلوا إلى إرهابيين فعليين أو محتملين، وبالعكس تماماً فبأنظمة تعليم حديثة، مبدعة، نقدية، نضمن أن تضخ مدارسنا إلى الحياة بمبدعين في العلم والثقافة والاقتصاد والتنمية، أو بكلمات موجزة، نضمن أن ينشأ شبان أسوياء فكراً وسلوكاً، بصحة ذهنية ونفسية وبعقول متفتحة محبة للحياة، ومنصرفة لبناء الأوطان لا إلى تدميرها.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى