قضايا ودراسات

صعوبات «بريكست» و«كبش المحرقة» الفرنسي

فيصل جلول
عبرت صحيفة «الديلي ميل» البريطانية، وهي صحيفة شعبوية، في عدد خاص حول «البريكست» عن قناعتها الراسخة بأن فرنسا تريد الإفادة من هذه الفرصة لإطاحة المركز المالي الجذاب لبريطانيا، وبخاصة مدينة لندن التي تضم أبرز الأنشطة المالية والمصرفية في أوروبا.
معد الملف في الصحيفة البريطانية يصف المسعى الفرنسي لتهميش لندن في سياق «البريكست» بأنه صاف «كالماء الصخري»، أي أن باريس تريد وراثة لندن كمركز مالي أول في أوروبا من دون لبس، أو إبهام.
في فرنسا، لا يتجشم أحد عناء النفي، كأن الإدارة الفرنسية تريد القول إن البريطانيين اختاروا قواعد لعبة غير أوروبية عندما قرروا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبالتالي وضعوا أنفسم في السوق المبنية على قواعد المنافسة الحرة، وهذا يعطيهم الحق في ترتيب أوضاعهم بعد «البريكست» كما يشاؤون، ويعطي دول الاتحاد الحق في خيارات مفيدة لها.
إن ما يبدو «مخططاً» لوراثة المركز المالي للندن، ليس قاصراً على باريس، فالمدن الألمانية، وفرانكفورت بخاصة، تبحث أيضاً عن سبل وراثة لندن ومثلها فيينا، لكن المدن الأخرى تبدو بالنسبة للبريطانيين بديهية، بخلاف باريس التي يحتفظون معها بإرث تاريخي من الخلافات العسيرة إلى حد انهم اطلقوا اسم «واترلو» على محطة «يورو ستار» التي تعد أول محطة ينزل فيها الركاب القادمون من فرنسا إلى بريطانيا.. وللتذكير، فإن «واترلو» هو اسم المعركة التي خسر فيها نابليون الأول آخر معاركه للسيطرة على أوروبا أمام تحالف قادته بريطانيا، وانتهى بهزيمة الإمبراطور الفرنسي.
البادي أن فرنسا لا تضمر مخططاً «شيطانياً» لعزل لندن، ووراثتها، وإنما هناك رهان من شقين، الأول انتهازي صريح، مفاده أن الفرصة مؤاتية لتحقيق مكاسب اقتصادية وفق قواعد جديدة لم يخترعها الفرنسيون، وإنما السوق الحرة نفسها، والدليل أن المصارف الكبرى التي كانت مستقرة في لندن باتت تخشى على أعمالها من تراجع الاقتصاد البريطاني المحتم بعد «البريكست» وبالتالي تنتقل إلى مدن أوروبية أخرى، ألمانية بالدرجة الأولى.
ولعله من سوء حظ بريطانيا أن ماكرون الرئيس الجديد للجمهورية في فرنسا مصرفي ليبرالي مجرب وطموح، يدرك أهمية عاصمته، وأن عليه في هذا الوقت بالذات، أن يغري الرساميل الأنجلوساكسونية والآسيوية بالاستقرار في فرنسا، عبر سلسلة من الإصلاحات الضريبية استجابة لشروط المستثمرين الأجانب ورهاناتهم.
أما الشق الثاني من الرهان الفرنسي فهو ألماني، وأوروبي، في الوقت نفسه، ويقضي بأن يكون الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي باهظ التكلفة إلى حد يردع الدول التي يمكن أن تغريها «البريكست» البريطانية. ومن غير المستبعد أن يكون الثنائي الألماني -الفرنسي يراهن عبر هذا النوع من الضغوط على تراجع بريطانيا عن الخروج، أو على الأقل الإيحاء للرأي العام البريطاني، خاصة الفريق المناهض لأوروبا، بأن البقاء في الاتحاد أقل تكلفة من الخروج منه.
ويلاحظ في هذا السياق أن وجوهاً بارزه أيدت الخروج في استفتاء العام الماضي تعبر اليوم عن ندمها، وعلى الرغم من أن هذه الوجوه مازالت محدودة، فإن استطلاعات الرأي تظهر أن قسماً من البريطانيين الذين أيدوا «البريكست» ندموا على موقفهم.
ويفصح ملف «الديلي ميل» وهو الأعنف حتى الآن بين ردود الفعل، عن ضيق صدر بريطاني، وربما خوف مكتوم من انهيار اقتصادي يقف الاتحاد الأوروبي إزاءه موقفاً محايداً، وربما يؤدي الى انقسام داخلي ويهدد وحدة المملكة المتحدة.
ولعل ملف الصحيفة يعكس محاولة لإيقاظ نزعة العداء لفرنسا، فيكون لدى الرأي العام البريطاني عدوه الفرنسي التقليدي، أو «كبش المحرقة» النموذجي الذي يريد بالمملكة سوءاً، كما هي الحال دائماً عبر التاريخ. إن اللغة التي كتب فيها تقرير «ديلي ميل» تغري بالذهاب في هذا الاتجاه، علماً بأن الحملات الصحفية تبدأ عادة من المنابر الشعبوية وبلغة تعبوية من النوع الذي ورد في سياق ملف «الديلي» من أن فرنسا تريد ببريطانيا شراً، وأن هذا واضح كوضوح وشفافية وصفاء «الماء الصخري»، أي لا يعتريه شك، ولا ينطوي على احتمال خطأ، ولو يسيراً.
ويمكن للتعبئة أن تكون مفيدة في تحقيق قدر من التماسك حول الحكومة البريطانية الضعيفة هي بأمس الحاجة إليه خلال ما يناهز العشرين شهراً من المفاوضات المرتقبة مع الاتحاد الأوروبي، لكن التماسك نفسه، وعلى أهميته، قد لا يحفظ موقع لندن المالي المميز الذي اكتسبته من خلال علاقاتها الوثيقة مع الاتحاد الأوروبي، أو بسببه، وعبر موقعها المميز في الاتحاد، حيث كانت منحت استثناءات مهمة في عدد من المجالات الأساسية.
والأخطر من ذلك كله أن الضعف البريطاني الذي تلا استفتاء «البريكست» قد انعكس سلباً على موقع بريطانيا على الساحة الدولية، وغيابها العملي عن الملفات الدولية والإقليمية الأساسية، وذلك كله يذهب في اتجاه مضاد تماماً لما توقعه الداعون إلى «البريكست» من الذين كانوا يعتقدون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيفضي إلى معجزة اقتصادية غير مسبوقة.
بين الخروج من الاتحاد والصورة القاتمة التي يرسمها هذا الخروج، ربما تنتصر البرغماتية البريطانية، ويطوي البريطانيون صفحة «البريكست».. إنه احتمال افتراضي، لكنه جدير بالتأمل.

baridchama@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى