قضايا ودراسات

الحنين حين يصيبنا

د. حسن مدن

أحد كبار الكُتاب ينصحنا بألا نعود إلى المكان إذا أصابنا الحنين إليه، ولعله بهذا القول يحذرنا من الصدمة التي تنتابنا حين نجد المكان الذي اجتاحنا الحنين إليه، لأنه ارتبط في أفئدتنا وعقولنا بذكريات جميلة، فلا نجده كما كان، أو على الأقل لم تعد صورته وتفاصيله تتطابق مع تلك القابعة في مخيلتنا، أو ذاكرتنا عنه. كأن الكاتب بذلك أراد أن نظل محافظين على «نقاوة» الصورة التي نحملها عن المكان، فلا نخدشها بما قد يفاجئنا من تغيرات وتحولات فيه.
لكن مَن منا بوسعه مقاومة هذا الحنين إلى تلك الأمكنة الأثيرة إلى نفوسنا التي بعدنا عنها طوعاً، أو كرهاً، فوجدنا أنفسنا بعيدين عنها جسداً، لكننا بقينا مشدودين إليها عاطفة وقلباً. لا أحد منا سيأخذ نصيحة هذا الكاتب على محمل الجد بألا يعود إلى تلك الأمكنة، على الأقل برغبة رؤيتها وتفقد مرابع الذكرى فيها، والمشي برجلين حرتين فوق ترابها.
لكن البعد عن المكان الأليف بالنسبة إلينا ليس بالضرورة بعداً جغرافياً، بأن ننتقل من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، فقد يكون بعداً في الزمن، بمعنى أن صورة المكان المقترنة بطفولتنا، أو صبانا وشبابنا، لم تعد تتطابق مع صورته الراهنة، وقد بتنا كهولاً، وربما شيوخاً أيضاً، فقد تبدلت هذه الصورة بشكل يكاد يكون تاماً، فنظل مسكونين بالحنين إلى تلك الصورة لأنها الأقرب إلى قلوبنا، ولأنها اقترنت بأجمل سنوات أعمارنا، وبأعذب ذكرياتنا وأوقاتنا.
في هذا الزمن سريع التغير الذي لشدة سرعته لا يتيح للمعالم أن تعيش طويلاً، حيث ما أسرع ما تخلي مكانها لمعالم جديدة، قد تكون أجمل وأحدث بكثير من تلك التي كانت سابقاً، لكنها تفتقد الألفة التي كانت لنا مع سابقاتها. وقلنا، غير مرة، إنه ما من مدينة عربية تقليدية أخلت مكانها لمدينة حديثة لا تشبهها كما هي المدينة في الخليج. وهنا بالذات، أكثر من أي مكان آخر، يبدو المكان مهدداً بفقدان الذاكرة، خاصة أن رموز الجيل الذي يمكن أن يروي ذاكرة هذه المدن رحلوا ويرحلون، ما يضع على عاتقنا واجب تسجيل ذاكرة أماكن وبيوت وأزقة ومدارس كانت لنا حضناً ذات يوم.
قبل سنوات عرضت لشهادة للأديبة الكويتية ليلى العثمان عن أثر «الكويت القديمة» في كتاباتها. أذكر أن تلك الشهادة شدّتني رغم عدم معرفتي بالأماكن الكثيرة التي تتحدث عنها ليلى، ولكني في تلك الأماكن كنت أرى صورة المدينة الخليجية القديمة عامة التي اندثرت لمصلحة مدينة أخرى. إن مدننا اليوم عالمية ونتصرف فيها كما نتصرف في أي مدينة عالمية أخرى نزورها، فلا نجد أنفسنا حين نبحث عنها فيها.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى