قضايا ودراسات

شي جين بينج.. الإمبراطور الأحمر

د. غسان العزي

في قاعة المؤتمرات المهيبة في قصر الشعب، احتشد 2300 كادر في الحزب الشيوعي الصيني ليصفقوا لزعيمهم «شي جينبينج» الذي افتتح المؤتمر التاسع عشر للحزب، في 18 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بخطاب دام ثلاث ساعات ونصف الساعة، شرح فيه «فكره الاشتراكي على الطريقة الصينية لعصر جديد» والذي وضع في ميثاق الحزب، فيكون بذلك أول زعيم صيني، بعد «ماو تسي تونج»، يدرج «فكره» في صلب الميثاق وهو لايزال في السلطة. فعلى الرغم من أن دينج شياو بينج هو المؤسس الحقيقي للصين الجديدة، التي اعتنقت «اقتصاد السوق الاشتراكي» فأضحت القوة الاقتصادية الثانية في العالم، فإن «فكره» لم يوضع في الميثاق إلا بعد وفاته في العام 1997، كذلك كان حال «جيانج زيمين» و«هو جينتاو» اللذين وضعا «فكرهما» في ميثاق الحزب بعد تقاعدهما.
حيّا شي «الدينامية الرائعة» للحملة الواسعة التي أطلقها ضد الفساد منذ وصوله إلى السلطة في العام 2012، والتي طالت 1.5 مليون شخص، والتي اعتبرها البعض ذريعة لتنحية خصومه ومنافسيه. كما شدد على ضرورة «الانضباط الصلب» في الحزب «العمود الفقري للأمة» والذي عليه «أن يقود البلد والمجتمع في كافة الميادين وكل الزوايا»، وحماية «الأمن السياسي»؛ أي «المحافظة على نظام الحزب الواحد» والتي هي «مهمة أساسية»، إضافة إلى القيادة المطلقة للقوات المسلحة، وذلك كي «يبقى الحزب إلى الأبد النواة الصلبة القائدة للصين».
بالنسبة لمشكلة تايوان الموروثة من العام 1949 أعاد التأكيد على نيته قمع كل نشاط انفصالي، مذكراً بمواجهاته الشديدة لكل محاولات تايوان الانفصالية. وللتذكير فقد وصلت إلى السلطة في تايبي، في بداية العام المنصرم، «تشي انج- ون» زعيمة الحزب التقدمي الديمقراطي المنادي بالاستقلال عن الصين. وقد سارعت إلى الرد على خطاب شي بالقول «إن سكان تايوان البالغ عددهم 23 مليون نسمة يتمتعون بالحق المطلق في تقرير مصيرهم ومستقبلهم».
قدم شي نفسه مجدداً على أنه حامي الاقتصاد المعولم، وكرر الوعد الذي أطلقه في العام 2013 بإعطاء «دور حاسم للسوق في توزيع الموارد الاقتصادية»، مؤكداً أن القوة الاقتصادية الثانية في العالم سوف تنفتح أكثر وأكثر على الشركات والمشاريع الأجنبية.
منذ وصوله إلى السلطة في العام 2012 عمل شي على ترسيخ سلطته، فأضحى قائداً للدولة والحزب والجيش، وجاء التجديد له على رأس الحزب في المؤتمر التاسع عشر مع إدراج فكره في الميثاق كموجه إلزامي ودليل لعمل الحزب الأكبر في العالم (89 مليون عضو)، وانتخاب قيادة مركزية من ستة أعضاء موالين، وليس فيهم من منافس محتمل في المؤتمر المقبل العام 2022، أو من خليفة معينة كما جرت العادة، يزيد كثيراً من احتمالات بقائه في السلطة مدى الحياة، تماماً كما فعل ماو تسي تونج مؤسس الجمهورية الشعبية، وواضع أسس الماركسية على الطريقة الصينية. وقد أدرج الحزب مبادرة الرئيس شي «الحزام والطريق» لمشاريع التنمية في ميثاقه متعهداً تنفيذها، وذلك كتأكيد لنفوذه الواسع، وإلى أن مبادرته الطموحة المشابهة ل «طريق الحرير» ستستمر حتى بعد انتهاء ولايته في العام 2022، وهذه الخطة التي ذكرها للمرة الأولى في كلمة ألقاها أمام طلاب في كازاخستان العام 2013، هي وسيلة تضطلع من خلالها بكين بدور أكبر على الساحة العالمية، من خلال تمويل وتشييد شبكة مواصلات وتجارة عالمية في أكثر من ستين بلداً. وقد تعهد شي تخصيص مبلغ 124 مليار دولار لتمويل هذه الخطة، والتي يرى المحللون أنها تخدم النفوذ الصيني أكثر مما تخدم الدول الأخرى المعنية بها، وتؤكد تنامي اهتمام الحزب الشيوعي الصيني بالساحة الدولية، وتعكس رغبة متزايدة لدى شي في الاضطلاع بدور قيادي عالمي في ظروف تنافس اقتصادي وسياسي مع الولايات المتحدة، وتوترات إقليمية متزايدة لا سيما في بحر الصين. وهذا جديد في «إمبراطورية الوسط» الصينية التي لطالما عرف عنها الانكفاء عن الساحة الدولية من أجل ترتيب البيت الداخلي.
من هذه الزاوية يمكن فهم ما أعلنه شي بأن مستقبل بلاده سيكون مشرقاً على الرغم من «وجود تحديات خطيرة يجب مواجهتها في العصر الجديد».
في 24 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي انتهى المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، وهو مؤتمر ينعقد في الخريف كل خمس سنوات، ويجري فيه انتخاب لجنة مركزية ومكتب سياسي جديدين، ويمهد لانتخاب رئيس للجمهورية في شهر مارس/ آذار الذي يليه. لقد انتهى هذا المؤتمر بافتتاح «عصر جديد» ستكون فيه الصين أكثر نفوذاً وحضوراً في الساحة الدولية، وتحت قيادة أيديولوجية متشددة لا تريد البتة الوقوع في الفخ الذي وقعت فيه قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي، التي انهارت ومعها الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي برمته تحت وطأة البريسترويكا وإصلاحات جورباتشوف. ويقضي التقليد في الصين أن يكون «الإمبراطور» هو نفسه «المعلم» و«أستاذ الفكر» و«موجه الدفة»، وقد تمكن شي جينبينغ من تحقيق ذلك في ولايته الأولى. وعلى الأرجح أن ينكب في ولايته الثانية على تكريس نفسه «إمبراطوراً» في «العصر الجديد» الذي وضع له خططاً، في الساحتين الداخلية والخارجية، تمتد إلى العام 2049.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى