قضايا ودراسات

الأكثر مبيعاً

د. حسن مدن

في الأصل فإن جائزة أدبية مهمة، مثل جائزة الغونكور للرواية، إنما أنشئت من قبل الأخوين غونكور اللذين حملت الجائزة اسميهما، بهدف إنصاف ما يعتبرانه روايات جيدة، لكتّاب لم تحقق أعمالهم انتشاراً بين القرّاء، بسبب عجزهم عن منافسة أخطبوط الناشرين الذين يروّجون لأعمال رديئة، ولكنها إما بفضل التسويق الجيد، أو بسبب ما تنطوي عليه من أوجه إثارة، وهذه الأخيرة إنما تأتي، في الأغلب، على حساب الجودة.
هذه الجائزة، كما جوائز أدبية مرموقة أخرى، أصبحت وسيلة لتحقيق الشهرة لمن ينالها من الكتّاب، حيث تتوجّه أنظار القرّاء في مختلف البلدان نحو الكاتب ونحو روايته، التي بسببها نال الجائزة.
ويمكن القول إن الجائزة وقعت، من حيث لم يرد مؤسساها في البداية، في نفس المحذور الذي لتفاديه أنشئت، بمعنى أن الشهرة التي ينالها من يفوز بالجائزة، تأتي في الكثير من الحالات على حساب روايات تفوقها أهمية، لكن لم يقدر لها الفوز، وربما لم تدخل، أصلاً، المنافسة من أجل نيلها.
إشارة كهذه وردت في كتاب الناقد المغربي سعيد بوكرامي: «العالم في رأسي، وجسدي في العالم – مسالك الرواية الناجحة»، الذي حوى مقالات ممتعة حول الفرن الروائي، وفي أحدها توقّف عند ظاهرة الكتب الأكثر مبيعاً، «ذا بيست سيلرز»، وفيه يعرض لرأي ناقد أجنبي حول الأسباب التي تجعل القرّاء أميل إلى كتاب دون غيره.
من بين هذه الأسباب أن تكون الرواية من تلك التي تعرف بالمدرسية، أي أنها مقرّرة ضمن البرامج الدراسية، حيث يجد الطلبة أنفسهم محمولين على قراءتها، وربما تقديم امتحانات حول مضمونها وبنيتها الفنية، وبصرف النظر عما إذا كانت هذه الرواية تروق للطلاب المقرّرة عليهم، فإنها تحقق انتشاراً بفعل قوّة الإلزام التي يفرضها المنهج الدراسي المدرجة ضمنه.
من الأسباب أيضاً التي تساعد في خلق مزاج الميل نحو كتاب أو كاتب بعينه، تأتي الجوائز، فكما بيّنا أعلاه، فإن نيل جائزة مشهورة كفيل بأن يحقق لكتاب، أو كتب صاحبها انتشاراً، ما كان سيكون بالزخم نفسه لولا نيله لتلك الجائزة، بصرف النظر عن جدارة الكاتب بهذا الانتشار، بالمقارنة مع كتّاب آخرين قد يفوقون موهبة وتمكّناً.
ويلفت هذا الناقد الأجنبي النظر إلى أمر صحيح نلحظه جميعاً، وهو أن المبيعات الكبيرة التي يحققها كتاب من الكتب، لا يعني، بالضرورة، أن كل من اقتنوا هذا الكتاب قد قرأوه بالفعل، بل إنه يصل إلى حد القول إن نصف هؤلاء لا يقرأون، ويكتفون بأن يجد الكتاب المعني مكاناً على رفوف مكتبات منازلهم.
وهناك سبب ثالث للانتشار الآتي مما يطلق عليه «القراءة الترفيهية»، التي تشمل الروايات البوليسية مثلاً التي تحقق النسبة العليا من التوزيع في العالم.
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى