قضايا ودراسات

الجغرافيا الاستراتيجية للابتدائية

عبداللطيف الزبيدي

قلت للقلم: ما لك لا تملّ الحديث عن المناهج؟ قال: لأن مناهج التفكير والأداء في العالم العربيّ غلط في غلط. لكن، نزولاً عند رغبتك، سأطرح أفكاراً لمناهج لم تخطر على بالك قط، ولا أومضت في ذهن حافٍ ولا ناعل. قلت: هات أرني ما أنت فاعل.
قال: أهل الأدمغة التربوية وضعوا فيزياء الكمّ في متناول الصغار، فلماذا لا يفكر العرب في حصص منذ الابتدائية للجغرافيا السياسية والاستراتيجية؟ قلت: هل أنت بخير؟ كأنّ الحُمَّى اعترتك فعراك الهذيان. ما ذنب الأطفال حتى نزرع في براءتهم تمزيق البلدان وإبادة السكان؟ قال: هذا هو مربط عدم الفهم. لماذا تسود العالم فكرة أن العلاقات الدولية لا يمكن أن تقوم إلاّ على الغطرسة والخداع لتحويل القوة إلى فكّ مفترس؟ لمَ لا ينشأ الأطفال على أن الجغرافيا أرضية للتعاون والبناء المشترك بتضافر الجهود؟ ما تهدره أنظمة العالم في الحروب وصناعة آلات القتل والخراب، تريليونات جهنميّة، أليست هذه الأنهار المالية قادرة على تحويل الدنيا إلى فردوس؟ يجب أن يبدأ البناء من أساس المناهج؟
قلت: هذه أوهام مدينة فاضلة. حركات الإصلاح تثبت فشلها في كل مرة؛ لأن الفساد هو الأقوى في الإقناع القسريّ، هو الذي يتقنّع بالتفوّق الاقتصاديّ العالميّ، ويمتلك كل الوسائل التي يجعل بها العلوم والتقانة والإعلام تخدمه وتسير في ركابه. هو الذي يحدد معاني الحرية والتحرير والديمقراطية والقيم، وهو بالتالي الذي يقرر ما هو الخير وما هو الشر.
قال: دع هذا المنطق المخزي جانباً. هذه الأفكار الوحشية السائدة، أصحابها يجهلون أن تأسيس الجغرافيا السياسية والاستراتيجية على العدل والتعاون، أفضل طريق إلى اقتصاد في القمة، نموّ في الأوج، تنمية شاملة في أعلى الذرى. ما هي القيم التي يستند إليها اقتصاد صناعة السلاح، الذي يوفر ضروريات شعبه بقتل الشعوب؟ ألا يعني هذا أنه يقدم لحوم الأبرياء طعاماً لسكانه؟ أليس اقتصاداً يأكل لحوم البشر؟ أهذا هو مفهوم الحضارة الذي يريدون ترويجه؟ هل تكون الحضارة بربريّة؟ العالم في حاجة إلى وضع مناهج للتربية الإنسانية، تنشئ أجيالاً تغادر الغاب وقوانينه البيولوجية التي تبيح الافتراس. تربية تحرير الإنسان من الحيوانية. السباع خلقت لتأكل اللحم، لكن العبث هو إنفاق التريليونات في آلاف القنابل النووية وأسلحة الدمار الشامل. هل هذه ضرورة غذائية؟ ما وجه الحضارة في هذا السلوك الذي لا يجرؤ أحد على محاسبته؟
لزوم ما يلزم: النتيجة التربوية: ضرورة تخليص الصغار من أن ينشأوا على جنون الكبار.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى