قضايا ودراسات

أعجوبة العالم الثامنة

يوسف أبولوز

تعود الكثير من الأعمال الزيتية والنحتية الكلاسيكية والتاريخية في ثقافة الفنون الإنسانية الكبرى في متحف «اللوفر أبوظبي» إلى 6500 قبل الميلاد، وبعضها يعود إلى القرن العاشر الميلادي، وبعضها ينتمي إلى فنون عصر النهضة والإبداعات الكبرى لرسامي القرنين السابع عشر والثامن عشر، على مدى فترات ودورات زمنية يكمل بعضها بعضاً من مدرسة فنية إلى أخرى، ومن ثقافة بصرية جمالية إلى ثقافة فكرية فلسفية في نوع من التدوين الجمالي للفن والتاريخ، بل التوثيق بالفن للحضارات والثقافات الفارقة في العالم.
متحف «لوفر أبوظبي» ليس أعجوبة العالم الثامنة كما قال مصمّمه فقط، بل المتحف أيضاً تاريخ حي لعبقرية العقل البشري عندما يحوّل ثقافة الجمال إلى فكر وسلوك وتربية، وهو اليوم، وفي هذا الظرف العربي والعالمي السياسي والثقافي والعقائدي فكرة تنويرية وأفق تنويري.. تسامحي.. تعايشي مباشرة في وجه أباطرة الظلام (الموتى الأحياء أو الأحياء الموتي) في كهوف الجهالة والتخلف والتخبط العشوائي المؤدي بالضرورة إلى أسوأ فعل يقترفه الإنسان وهو العنف والتوحش والإجرام.
الإمارات العربية المتحدة فكراً ورؤية وقيادة وإدارة، ومؤسسات ومجتمعاً متعلماً وإبداعياً.. تقول للعالم بهدوء ومحبة وسياسة مدنية أخلاقية إن هذه البلاد هي وطن العالم ووطن ثقافاته وفنونه وعبقرياته الخالدة، والعنوان الأول لهذا الوطن هو النور، والصحة، والحوار، والخلود في إبداع الإنسان، واحترامه بالقوانين والأمن والرعاية والسلام.
كل هذه المفردات هي اشتقاقات عملية من «متحف لوفر أبوظبي»، وعندما تقول الصحافة، ويقول شهود العيان في العالم إن الإمارات بهذا التوفيق الثقافي احتضنت حضارات جهات الأرض الأربع، فهذا ليس خيالاً أو حلماً.. إنه خيال تحقق على الأرض في منشأة المتحف ومقتنياته وأعماله، وإنه حلم أصبح حقيقة حضارية في مناسبة عالمية تتحدّث حولها اليوم الصحافة العالمية، ويشيد بها كبار رجال الثقافة والفنون، وتقدرها احتراماً وإكباراً نخب الفكر والفلسفة والتاريخ وحتى نخب العلوم.. فالفنون الكبرى في تاريخ الرسم والنحت اعتمدت على عقلية علمية هندسية، تشريحية، وحتى فلسفية «ليوناردو دافنشي مثالاً.. اقرأ أعماله الأدبية».
سماء الإمارات في أبوظبي قوس قزح بأكثر من ألوانه المعتادة، على رأسها اللون الأخضر الذي يمثل فكرة رجل الحكمة والشجاعة والسمو.. المغفور له الشيخ زايد، أول من وضع حجارة الأساس للجمال الإنساني أولاً.. تحويل الرمل إلى شجر، تحويل التراب إلى ألوان ومرئيات، تحويل الإنسان إلى كبير وعظيم ومبدع، تحويل الشمس والماء والجبل والأثر واللغة والتراث إلى معنى وشخصية وحضور.
هذه الروح الإماراتية في تعبيرها العملي تتمثل ثقافياً اليوم في «لوفر أبوظبي».. ذروة الإنتاج الفني الإبداعي العالمي، إلى جانب القمم التي تصون كرامة الإنسان، بدءاً من الكتاب وتربيته وثقافته إلى الفن.. وإلى الثقة أولاً وأخيراً بالمعرفة.. وكل معرفة هي درع حماية، ومن يحمي نفسه بالكتب والفن والنور.. لن يخشى الكائنات الميتة المريضة المقيمة في الكهوف.. ومغائر الظلام.

y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى