قضايا ودراسات

حرب الماضي على المستقبل

حسن العديني

‫أغلب الحروب تولد من سابقتها وقليلاً ما تتوغل الجذور عميقاً إلى مئات السنين باستثناء الحرب اليمنية الممتدة بأصولها إلى منتصف القرن الثالث الهجري يوم نزل في صعدة يحيى الهادي في غمرة نزاعات القبائل اليمنية لتنصبه رئيساً متوجاً.
لا أتحدث عن القتال فهو وجه من وجوه عديدة للحرب القائمة أخطرها ما يتعرض لها التعليم وأشرسها ما يصيب الاقتصاد. إنها نفس الحرب القديمة التي بدأت مع ذلك القادم من طبرستان. فمعه والذين اعقبوه دخل اليمنيون عصر الظلمات طويلاً وموحشاً، وأنزل الأئمة فيهم ألواناً من التنكيل والتجهيل والاستلاب. فقد حاربوا التعليم وأشاعوا الخرافة وزرعوا في أذهان العامة أن للإمام قدرات خارقة تضاهي سلطان الآلهة على الطبيعة في الأساطير القديمة. وعندما قامت ثورة سبتمبر لم تكن في اليمن مدرسة ابتدائية واحدة، والقلة القليلة من ذوي التعليم الحديث كانوا تلقوا علومهم في مستعمرة عدن البريطانية وفي بلدان المهجر. وبعد صناعة الجهل اهتم الأئمة بصناعة الفقر، و كانت لهم طرق بسيطة في مصادرة الملكية الخاصة وضمها إلى أملاكهم وأملاك الأسر القريبة منهم أو المقربة إليهم. قامت تلك الطريقة على المبالغة في فرض الجبايات على الملاك الزراعيين إلى الحدود التي يعجزون عن الوفاء بها فلا يجدون غير بيع جزء من الأرض، وهكذا في دورات متلاحقة نشأت الإقطاعيات الكبيرة وهبطت أو تلاشت ملكيات الأغلبية إلى مستويات لا تلبي أدنى متطلبات الحياة. وفي مجتمع زراعي غير نهري معزول عن العالم غدت المجاعة والموت في الطرقات سمة ملازمة لمواسم الجفاف.
يكرر الحوثيون اليوم سياسة التجهيل والتجويع بوسائل جديدة. وفي الموضوع الأول تتحدث تقارير «اليونيسيف» عن أن 4,5 مليون طفل لا يتلقون التعليم والذين يذهبون إلى المدارس يحصلون على تعليم رديء. ولقد يقولون إن هذه نتيجة طبيعية لحرب تتحمل وزرها الأطراف كلها، وذلك صحيح بقدر، والصحيح أيضاً أن مسؤولية إضافية يتحملها الحوثيون بتحويلهم مدارس ومعاهد إلى مواقع عسكرية ولتعمدهم الزج بآلاف الأطفال إلى أتون الحرب.
إن تخريب التعليم يتجلى في مظاهر عديدة، فها هو عام دراسي آخر يبدأ في أوضاع لا ينال فيها المدرسون مرتباتهم وإذا ما قرروا الالتزام بواجبهم الوظيفي بدافع أخلاقي بحت منعتهم ظروفهم المادية من الوصول إلى المدارس، وقد تبدو مفارقة مدهشة أن نسبة نجاح الطلاب في العام الدراسي السابق ومعدلات تحصيلهم العلمي بلغت مستويات عالية، لكن الدهشة تزول حين نعرف أن هذا تم بقرار من وزير التربية والتعليم الذي لم يستنكف عن توقيع أمر مكتوب بمنح الطلاب المشاركين في القتال درجات حدد نسبتها. والوزير الذي لم يتلق تعليماً نظامياً علق على مطالبة المدرسين برواتبهم أنه قد يضطر إلى تسريحهم من الخدمة لأنهم من عصر المماليك كما قال. واقترح وزير الشباب وهو مدرس سابق في منشور على صفحته ب«الفيس بوك» ايقاف التدريس لمدة عام وإلحاق المدرسين والطلاب في جبهات القتال.
في المجال الاقتصادي والمالي يمكن لأي بحث استقصائي أن يكشف عن فظائع فوق حدود التصور والقليل الطافي يكفي لتقدير حجم الكارثة. فحين استولوا على صنعاء كان الاحتياطي من النقد الأجنبي في حدود 6 بلايين دولار استنزفوه إلى 600 مليون دولار خلال سنة فتنبهت الحكومة بعد خراب مالطا ونقلت البنك المركزي إلى عدن ليتخذ منها الحوثيون ذريعة كي يتوقفوا عن صرف مرتبات الموظفين. وإذ ينتشر الفقر على نحو كاسح يضطر المحتاجون إلى بيع ما يمتلكون من عقار أو منقول لإطعام أطفالهم ونسائهم. ويبيع الحوثيون لأنفسهم بأثمان زهيدة الممتلكات العامة وبشكل خاص أراضي وعقارات الدولة، وهم يستثمرون في الخارج كما في الداخل. والتقرير الذي بثته «قناة المستقبل» اللبنانية عن استثمارات عقارية لهم في بيروت بقيمة مليار وأربعمئة مليون دولار يشير إلى الحقيقة دون أن يكشفها كلها، فهناك استثمارات مهولة في الأردن ومصر وماليزيا وغيرها. ومنذ أيام أمر الحوثيون بإغلاق الصندوق الاجتماعي للتنمية لاتصالاته المشبوهة بدول أجنبية.
تلك هي الحرب في اليمن في صورتها البشعة، انبعاث للإمامة من كهوف التاريخ بأيدي صنف من البشر خرجوا من مغارات صعدة وسكنوا قصور صنعاء، عازمين على أن يسوقوا اليمنيين إلى الكهوف والقبور.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى