قضايا ودراسات

الفن في مهمة رسمية

مارلين سلوم

بعض النقاط البيضاء تضيء وحدها فتجذبك إليها من بين العشرات، أو حتى المئات والآلاف من الألوان التي تحيط بها. ووسط المهرجانات والمنتديات والمناسبات الكبرى، تستوقفك تلك الإشارات فتسرق انتباهك، وتجبرك على تأملها، مهما كان الحدث ضخماً، ومهماً.
افتتاح متحف «اللوفر» في أبوظبي حدث عالمي، والاحتفال جاء راقياً هادئاً يليق بالحدث، وقيمته. وبما أن الهدف الأساسي منه هو مخاطبة العالم برسالة التسامح وتقديم الوجه العربي الحضاري المؤمن بالأخوة والتحاور والانفتاح على كل الشعوب، والديانات، والأذواق، والفنون، فإن الحفل الموسيقي المرافق للحدث، جاء بتلك الروح نفسها ليلفت الأنظار إلى فرقة الأوركسترا الفرنسية، المطعَّمة بنكهة إماراتية- عربية مميزة.
ناي، وعود، وقانون، وثلاثة عازفين إماراتيين جلسوا بالزي الوطني وسط أوركسترا «إنسولا» الفرنسية، زادوا المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية جمالاً بالنكهة العربية، وحنان الناي، والطعم الشرقي المميز. مزج رائع للثقافات، حوار موسيقي راق يعكس حوار الأرواح البشرية وتلاقي الحضارات والكائنات في فلك هذه الحياة.
كلنا بشر، وكلنا نعيش على الأرض نفسها، ونواجه المخاطر نفسها، والعدو المتربص بنا واحد أيضاً. هو عدو الفن والتراث، إرهاب يقطع كل الأوصال لينتصر، يهدم التاريخ أينما يحل، ويحارب الفنون لأنها توحد النفوس والشعوب، ولا تعترف بأي تمييز عرقي، أو عنصري.
مزج الشرق مع الغرب في لحن، أو أغنية، ليس حديث العهد، لكنه بات ضرورياً اليوم أكثر من أي وقت سابق، لأننا نواجه عدواً أكثر تخلفاً وجهلاً من أي عصر مضى. الموسيقى هي علاج للأرواح، لغة توحّد البشر، لا تحتاج إلى ترجمة، الكل يفهمها وتخترق كل الحواجز لتصل بالإحساس نفسه، وتترك الأثر نفسه أينما حلت.
وسط الموسيقى الكلاسيكية أضاءت أيضاً «الشلّة» الإماراتية، التي تعتبر من الموروث الشعبي الأصيل. قصائد ملحّنة بإيقاع الصوت العذب، تشبه «الموّال»، لا تحتاج إلى موسيقى، أو عازفين برفقتها. تتنوع الوسائل والرسالة الثقافية واحدة لا لبس فيها.
تلك المهمة الفنية في الدفاع عن حق الإنسان في العيش بسلام، ومحاربة الإرهاب، والتواصل بين مختلف شعوب العالم، وحماية الحضارات والتاريخ.. ضروري أن تستمر، وأن تبرز في مواجهة الفكر المتطرف، ولا تعتمد على المناسبات الرسمية والاحتفالات الكبرى فقط. فلتكن لغتنا الموسيقية عالية، وراقية، ومتنوعة. ولترعَ الدول العربية كل المواهب الفنية الحقيقية، فنرى أمثال هؤلاء الفنانين الإماراتيين الذين شكلوا جزءاً من اللوحة الفنية الرائعة، في ليلة «اللوفر»، يعملون بدعم رسمي من الدولة لا بمجهودهم الشخصي، ولا أن يتم استدعاؤهم عند الحاجة فقط.
دعم الفن والموسيقى في العالم العربي، يندرج ضمن إطار حماية المجتمعات، والأوطان، والعالم، من الفكر المتطرف والإرهاب والحروب الإلكترونية المدمرة للعقول، والداعية إلى التمييز العنصري، وتشويه التاريخ وهدم المستقبل. فلنعتبر الفن في مهمة رسمية، ونعمل على دعمه في كل المجالات، ونشمل بحملاتنا القنوات الفضائية، وصولاً إلى المدارس.

marlynsalloum@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى