قضايا ودراسات

حكاية

د. حسن مدن

المصادفة وحدها التي قادته إلى هناك. كان مقصده الصيدلية التي وبحكم معرفة قديمة له بالشارع الذي يقع فيه فندقه، يعرف مكانها. قطع المئات القليلة من الأمتار الفاصلة بين موقع الفندق والصيدلية، مختاراً لنفسه طريقاً خلفياً موازياً للشارع الرئيسي الذي يحاذيه الفندق، متحاشياً الشمس، ومحتمياً بالظل الأليف الذي تعكسه العمارات على ذلك الشارع الخلفي.
ولج الصيدلية واشترى منها علبة «بانادول» كي تعينه حبوبها على مقاومة بوادر احتقان في حلقه، بسبب ما هو عليه شهر نوفمبر من حال الانتقال من الطقس شديد الحرارة نحو طقس أكثر اعتدالاً، ومن التجربة يعلم أن المسارعة في تناول البانادول يساعد على ألا تتحول بوادر احتقان الحلق أو الأنف إلى برد، لن تقضي عليه سوى المضادات الحيوية، التي يُفضل تحاشيها ما أمكن.
حين خرج من الصيدلية كانت العمارة التي تقع فيها الشقة التي أقام فيها سنوات في هذه المدينة أمامه. الفضول قاد رجليه نحوها. ما زالت العمارة تبدو، من خارجها على الأقل، بالحالة الجيدة التي كانت عليها. يؤدي إلى العمارة مدخل رئيسي يقع في شارع فرعي صغير، ومدخل صغير على الشارع العمومي.
البقالة الواقعة على الركن في العمارة المقابلة التي منها كان يتزود بالضروريات لم تعد هناك، ولكن بقية المعالم ظلت على ما كانت عليه، ولج مدخل العمارة، الذي بدا هو الآخر نظيفاً برخامه الأنيق. لم يكن لديه تفسير لماذا فعل ذلك، أبصر حارساً شاباً للعمارة غير محمد، الكهل الهندي، الذي كان حارساً في تلك السنوات.
خطر في باله خاطر، من أجل إيجاد ذريعة لإطالة بقائه غير المفهوم عند المدخل، هو أن يسأل الحارس عما إذا كانت هناك شقة شاغرة للإيجار في العمارة، لعله يقول له نعم، ويأخذه إليها، ومن يدري فقد تكون هي نفسها الشقة التي عاش فيها، فلعّل آخر عائلة سكنت فيها قد غادرتها إلى بلد آخر، أو مدينة أخرى، أو ببساطة نحو شقة أخرى، قد تكون أغلى أو أرخص منها تبعاً لما آلت إليه حالها، وفي ثوان معدودات تخيّل نفسه يلج الشقة معية الحارس، يتفقدها غرفة غرفة، وزاوية زاوية، ويطيل الوقوف عند زوايا بعينها فيها انعقدت بينه وبينها صداقة. المكان يمكن أن يصبح صديقاً لنا أيضاً كما البشر.
وبدا أنه غير متردد في أن يسأل الحارس فعلاً السؤال – الذريعة، ولكن الحارس كان منهمكاً في الحديث بهاتفه النقّال، دون أن يظهر أي اهتمام به، أو يستأذن من يهاتفه لثانية، كي يسأله عما يريد. طالت المكالمة وطال وقوفه منتظراً، فقرر أن يخرج.
مشى في الشارع الخلفي الظليل الموازي لشارع فندقه، حتى وصل إليه.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى