قضايا ودراسات

العرب غسق أم شفق؟

خيري منصور

الغسق والشفق لحظتان قد تتشابهان بالنسبة للعين الكليلة. رغم ما بينهما من تباعد وتضاد، لأن الشفق شروق والغسق غروب، وإذا كان الشفق يقترن عادة بصياح الديكة وتغريد الطيور، فإن الغسق كما وصفه الفيلسوف هيجل هو اللحظة التي تلوح فيها البومة في الأفق وتملؤه بالنعيب!
فهل العرب الآن في الشفق أم الغسق؟ وهل ما يجري هو نهايات أم بدايات، رغم ما قاله المعري عن الاختلاط بين البشير والنذير!
ما يحدث بكل المقاييس هو مخاض عسير واختبار أعسر لجدارة أمة تعدادها يزيد على الثلث مليار عربي يتوزعون على قارتين عريقتين بالحياة.
إنها لحظة فارقة بين الماضي الذي ترك وراءه ظلالاً رمادية وثقيلة، وبين المستقبل الذي هو في نهاية المطاف حاصل جمع الممكنات، وليس رهينة قراء الطوالع والأكف والفناجين!
في نهايات القرن التاسع عشر، شهد العرب قيامة قومية كان روادها وقباطنة سفينتها تنويريين ونهضويين بامتياز، وقرروا تحرير الإسلام من الشوائب التي علقت به، وحولته من دين يسر إلى دين عسر، وحذر الإمام محمد عبده أحفاده من بعض العمائم التي قد تسيء إلى الإسلام باسم الإسلام، وتسعى إلى التحريف والتزوير والتلاعب بالمرجعيات والأصول كي تحقق أهدافها.
ثم وُضعت هراوات أجنبية ومحلية في دواليب عربة النهضة، وانتهى بعض روادها إلى مصائر مأساوية، كالقتل أو النفي أو التهميش!
لكن الأفكار لم تمت ولن تدفن مع أصحابها، لأنها بذور كانت وستبقى تنتظر المطر والرعاية كي تنمو.
حكاية هذا العربي ليست بعيدة عن حكاية طائر الفينيق أو العنقاء، فهو يحترق وينهض من رماده وكل ما لا يقتله يقويه ويتحول إلى لقاح لمضاعفة المناعة.
وإذا احتكمنا إلى مجمل التحولات في واقعنا الذي غادر حالة الاستنقاع، فإن ما يجري هو المخاض. واللحظة شفقية وليست غسقية، لكن من يقرؤون الواقع أفقياً، ومن خلال السطح فقط، هم كمن لا يرى من المحيط غير لونه الأزرق !

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى