قضايا ودراسات

بريطانيا والثمن الباهظ

مفتاح شعيب

تستمر حالة الشد والجذب بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حول ترتيبات البريكست، دون التوصل إلى أرضية مشتركة، في معركة تبدو قاسية وحافلة بالمفاجآت. فما يجري خلف الكواليس يشير إلى أن الخلافات تستفحل بين الطرفين بدليل مهلة الأسبوعين التي منحها المفاوضون الأوروبيون لنظرائهم البريطانيين للرد على بعض المقترحات وتحقيق تقدم في الأزمة.
من بين العروض الخطيرة اقتراح أوروبي على لندن بأن تظل إيرلندا الشمالية ضمن الكتلة الجمركية للاتحاد، بما سيمهد لاحقاً لإعطائها استقلالاً ذاتياً عن قرار المملكة المتحدة، وهو الأمر الذي ترفضه الحكومة البريطانية بشدة وتعتبره تشجيعاً أوروبياً على انفصال دبلن التي تطالب أصلاً باستفتاء يحقق لها هذا الهدف، أو على الأقل حكماً ذاتياً يسمح لها بسياسة تجارية خارجية مستقلة، فقد أفادت صحيفة «التايمز» أن اقتراحاً أوروبياً يعرض أن تظل إيرلندا الشمالية مثل «هونج كونج» و«ماكو» اللتين تعتبران جزءاً من الصين ولكنهما عضوان منفصلان في منظمة التجارة العالمية. ولن يكون بوسع الحكومة البريطانية القبول بهذا الاقتراح لأن نتيجته ستكون كبيرة جداً بفقدان أحد مكونات المملكة المتحدة، فضلاً عن خسارة الاتحاد الأوروبي ككيان عملاق يتشكل من تحالف قوى كبرى بقيادة ألمانيا وفرنسا، وهو ما سيدفعها تدريجياً إلى خلفية المشهد الدولي.
بعض التكهنات تشير إلى أن الضغوط الأوروبية والاقتراحات المختلفة لا تعدو أن تكون أدوات للمناورة وليس بهدف تحقيقها في الواقع لسبب مبدئي وهو حرص الاتحاد الأوروبي على وحدة دول القارة ورفض كل دعوات الانفصال والتفكك، وقد تجلى ذلك بوضوح في المواقف الحاسمة من استفتاء انفصال إقليم كتالونيا عن إسبانيا. أما بالنسبة إلى بريطانيا، فقد يؤدي الضغط بورقة إيرلندا الشمالية إلى إعادة النظر في مشروع «البريكست» جذرياً، ويمنح البريطانيين المؤيدين للبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي دافعاً قوياً للتمسك بمواقفهم. ومؤخراً لم يستبعد عمدة لندن صادق خان إجراء استفتاء ثان إذا فشلت خطة رئيسة الوزراء تيريزا ماي حول التفاهم مع الاتحاد الأوروبي.
كل هذه المعطيات وغيرها تشير إلى أن مفاوضات الخروج ستكون صعبة جداً والفاتورة التي يجري التفاوض علاماتها باهظة، وقد تدفع ببريطانيا إلى أزمة عميقة، في الوقت الذي تواجه فيه حكومة تيريزا ماي كثيراً من العقبات، وتنتظرها معركة ضارية في البرلمان لتعديل مشروع قانون بريكست الذي يلقى معارضة شديدة على ما يبدو، فهناك عدد لا يستهان به من النواب ممن يريد إلغاء خطة الخروج، بينما حددت رئيسة الوزراء التاسع والعشرين من مارس/آذار 2019 للخروج النهائي من الاتحاد الأوروبي. وعلى مدى السبعة عشر شهراً المقبلة سيكون السجال عنيفاً والمفاجآت قائمة، فإذا حدثت أزمة تغذيها أطراف خارجية ربما يتم التراجع عن الاستفتاء بإجراء استفتاء ثان، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة جديدة.
الاتحاد الأوروبي جزء أصيل في عالم يعرف تقلبات كبيرة، وما يصيب المشهد العام لن تسلم منه الأطراف، في ضوء تشابك الخلافات وتعدد التدخلات. فقد لمحت الحكومة الإسبانية إلى تدخل روسي في استفتاء كتالونيا من خلال دعمها للانفصاليين، وإذا كان هذا الإعلان مجرد اتهام، فهو يعني أن أوروبا مخترقة في حدودها وسياساتها وأزماتها. ومشكلة الخروج البريطاني ليست استثناء في هذا الشأن، وطالما لم تنقض بالحل، فكل المفاجآت واردة ولن يسقط شيء من الاحتمال.

chouaibmeftah@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى