قضايا ودراسات

المنازل المتاحف

د. حسن مدن

قرأت وصفاً ممتعاً لبيت الشاعر الإسباني لوركا في مدينته غرناطة كتبه هاشم شفيق من وحي زيارة قام بها إلى ذلك البيت الذي أصبح متحفاً، حيث نقلنا إلى تفاصيله وقدّم وصفاً للأدوات التي كان الشاعر يستخدمها ولمخطوطاته الشعرية والقلم الذي كان يكتب به.
ذكّرني هذا الوصف بزيارة قمت بها إلى الفيلا الصيفية لأنطون تشيخوف في مدينة يالطا الواقعة على البحر الأسود، حيث نصحه الأطباء بالذهاب إلى هناك لأن الجو الدافئ أفضل له من برد موسكو، هو الذي كان يعاني من مرض الربو الذي أجهز على حياته باكراً.
مقتنيات المبدعين في أماكن سكناهم، خاصة في الغرف التي يكتبون فيها تبدو متشابهة، لكن الأهم من هذه المقتنيات هو حال الفضول التي تبعثها في نفوسنا هذه المقتنيات، حين يحملنا التحديق في مخطوطاتهم المعروضة على تخيل الطريقة التي كانوا يكتبون بها: شكل خط أياديهم، نوع الحبر والأقلام التي كانوا بها يكتبون.
لكن الأكثر إثارة في هذا هو الشغف بقراءة الجمل المشطوبة في المخطوطات: كيف كتب الكاتب الجمل التي عاد فشطبها، لنسأل أنفسنا: ما الذي لم يعجبه فيها، وربما أيضاً لنسأل: ألم تكن تلك الجمل أكثر عفوية من التي استقر عليها في النهاية؟ أما كانت الفكرة ستكون أوضح لو أن الكاتب أبقى على ما شطبه، أم أن العكس هو الصحيح؟
أذكر أن أكثر ما استوقفني في مقتنيات بيت الشاعر البحريني إبراهيم العريض، الذي تحوّل إلى بيت للشعر، هو النسخ الأصلية من الرسائل العديدة التي تلقاها من نظراء له في الشعر والأدب من مختلف البلدان العربية، وبالمناسبة فإن مراسلات العُريض مع هؤلاء الأدباء ومنهم إليه قد جمعت ونشرت في مجلد ضخم.
ويتيح لنا الاطلاع عليها معرفة طبيعة القضايا والمناقشات والأفكار التي كانت تستحوذ على اهتمامات ذلك الرعيل من الأدباء العرب، كما تكشف عن حجم المشتركات بين هؤلاء الأدباء على تباعد بلدانهم، ما يجعل أسماء أدبية كبيرة في الحواضر العربية تخاطب العريض حولها، وهو في البحرين – الجزيرة الصغيرة في مياه الخليج العربي.
وإذا كان العريض محظوظاً بأن بيته صار بيتاً للشعر في البحرين، وهو أيضاً بمثابة متحف صغير يعرفنا بحياته وأدبه، فعلينا، بالمقابل، تذكر أسماء عشرات القامات الأدبية والفكرية العربية التي أهملت البيوت التي عاشت فيها، أو بيعت لملاك آخرين، هدّوها، وأماكنها أقاموا عمارات أو مكاتب بوظائف أخرى، فلم يبق من أثر أو ذكرى للبيوت الأصلية.
لنا أن نتخيل حجم الثروة المعنوية والتثقيفية التي كنا سنجنيها لو أن القائمين على شؤون الثقافة والفن في بلداننا نحوا منحى الحفاظ على هذه البيوت، وتحويلها إلى ملكية الدولة، لتصبح متاحف تخّلد الذاكرة.

madanbahrain@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى