قضايا ودراسات

الثقافة كأمن قومي

د. عبدالله السويجي

الثقافة بمعناها الوطني تشكل أمناً قومياً وعنصراً أساساً في الحفاظ على أمن المجتمعات واستقرارها وانسجام مكوناتها. وبمعناها الشامل تلعب الثقافة دوراً جوهرياً في نشر قيم التعايش والتلاقح بين الثقافات، في إطار احترام الآخر وعاداته وتقاليده وعقائده، وتساهم بيئة كهذه في الإبداع الإنساني وتعزيز روح الابتكار والمحبة بين الناس.
ويمر تحقيق هذا الهدف بشروط معرفية تعمل على بناء الشخصية من حيث الفكر والسلوك وآليات التعامل مع الإشكاليات المجتمعية، استناداً إلى استراتيجيات تشجع على القراءة المثمرة والتحصيل العلمي والمعرفي، لتكوين وعي يكون هو المحرك لبلورة ملامح ثقافية تنعكس على إيقاع الحياة المجتمعية.
ويرى كثير من المفكرين أن الثقافة هي جزء رئيسي من القوة الناعمة التي تسعى إلى امتلاكها المجتمعات المتقدمة، مستندة إلى أن الإنسان الواعي المتعلم المثقف هو المحرك لأي تنمية ثقافية أو اقتصادية أو سياسية أو علمية، ومن هذا المنطلق، أطلقت الإمارات «مئوية الإمارات 2071»، التي تشكل «برنامج عمل حكومي شامل موسع يتضمن وضع استراتيجية وطنية لتعزيز سمعة الدولة وقوتها الناعمة، وضمان وجود مصادر متنوعة للإيرادات الحكومية بعيداً عن النفط، إضافة إلى الاستثمار في التعليم الذي يركز على التكنولوجيا المتقدمة، وبناء منظومة قيم أخلاقية إماراتية في أجيال المستقبل، ورفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد الوطني وتعزيز التماسك المجتمعي». ويلاحظ هنا تضمين المئوية التركيز على «منظومة القيم الأخلاقية» التي تعتمد في الأساس على الثقافة كتراكم حضاري وإنساني وفكري، إذ لا يمكن تجذير هذه القيم بمعزل عن شحن المجتمع بمكونات الثقافة المنتجة، التي تستند إلى التفكير الإيجابي الحر والقدرة على الابتكار في المجالات الإبداعية والفنية والاقتصادية والسياسية والمجتمعية. وحين ناقش مجلس القوة الناعمة في الإمارات استراتيجيته، قال سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة: «لدينا مقومات ثقافية واقتصادية وإنسانية تجعل إيصال رسالتنا للعالم أكثر قوة وتأثيراً، والإمارات منبر للثقافة العربية ومنبر لأفضل الممارسات العالمية وعامل نهضة في المنطقة». وقال سموه إن الإمارات هي محطة التقاء عالمي وبوابة رئيسية للمنطقة العربية.
لقد كان افتتاح متحف اللوفر في عاصمة الإمارات أبوظبي، كصرح حضاري هو الأول من نوعه في العالم خارج فرنسا، ترجمة لتجسيد القوة الناعمة في الحاضر والمستقبل، وقد وصفه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بأنه «تحفة معمارية ومفخرة ثقافية ومحطة فنية ستجمع الشرق والغرب.. إنه يمثل قدرتنا على بناء جسور تواصل بين الحضارات في عالم يريدون له أن يكون صراعاً بين الحضارات، كما يمثل قدرتنا على محاربة الظلام بالنور ومحاربة الجهل بالفنون ومحاربة الانغلاق بالإبداع، ومحاربة التطرف الفكري بالجمال الفني الذي أبدعته العقول البشرية منذ آلاف السنين». وبهذا تكون استراتيجية دولة الإمارات الثقافية هي «محاربة الظلام بالنور، ومحاربة الجهل بالفنون والانغلاق بالإبداع»، ولعل هذا القول يشكل ركيزة للأمن القومي الثقافي لما يتضمن من مبادئ جوهرية تسعى إلى نشر النور والإبداع.
والاسترشاد بما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في المناسبة ذاتها، افتتاح اللوفر، تعزيزاً للاستراتيجية الثقافية والتنموية الحضارية التي تنشدها الإمارات؛ حيث قال سموه: «إن المتحف لا يكتسب أهميته في إطار العلاقات الإماراتية الفرنسية فحسب، وإنما تمتد دلالاته ومعانيه باعتباره جسراً ثقافياً بين الحضارات والشعوب.. فرسالتنا التي نوجهها اليوم للعالم كله من خلال افتتاح هذا الصرح الثقافي والعالمي في دولة الإمارات العربية المتحدة هي أن الثقافة كانت وما زالت جسراً للتواصل والتعارف والحوار بين الشعوب والحضارات وليست مصدراً للصدام أو الصراع كما يتوهم المتطرفون والمتشددون»، وقال سموه إن الإمارات ترسل رسالة إيجابية إلى العالم كله «بأننا قادرون على صنع الأمل لشعوب هذه المنطقة بالرغم مما تعانيه من حروب ونزاعات وما نزفته على مدى السنوات الماضية من دماء وثروات».
ويكتسب العمل الثقافي أهميته الاستثنائية بصفته يحاكي المستقبل، فهو آلية مهمة لتنشئة أجيال تمتلك القوة الناعمة بمعناها الشامل، وأي عمل ثقافي، إن كان عملاً مؤسساتياً أو فردياً، فهدفه ضمان مجتمع آمن في الحاضر والمستقبل، ولهذا، فإن الحرص على اختيار الجيد والمتميز من الفعاليات التي تترك أثراً في عقول وأفكار الناس، والحرص على تجويد المؤلفات الثقافية؛ بحيث تكون قابلة للحياة في المستقبل، يعتبر أمراً ضرورياً، وهذا العمل من صميم المؤسسات الثقافية الرسمية والجمعيات ذات النفع العام، ودور النشر والطباعة، جميعها يجب أن تحرص على تقديم المتميز الخالد.

suwaiji@emirates.net.ae

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى