قضايا ودراسات

تعدد البدايات

د. حسن مدن

أحد عوامل تعثر مسار النهضة والحداثة في العالم العربي، إن جاز الحديث، أصلاً، عن مثل هذا المسار، هو تعدد البدايات، وليس المقصود بهذا التعدد أنه في الوقت الواحد كانت هناك مجموعة بدايات، باختلاف الأقاليم والبلدان العربية، بمعنى أن هناك بداية للحداثة في مصر، وبداية مشابهة في بلاد الشام، وثالثة في بلدان المغرب العربي. إلخ، فمثل هذا التعدد جائز ومبرر ومنطقي، فلكل إقليم أو حتى لكل بلد سمات تطوره السياسي والثقافي والمجتمعي المختلفة، وبالتالي علينا تبين هذا التعدد، والتنوع أيضاً، في البدايات النهضوية والحداثية، مع ملاحظة التفاعلات والتأثيرات المتبادلة بينها.
كما أنه ليس المقصود تعدد حقول التحديث والنهضة، فهذا التعدد، هو الآخر، منطقي ومفهوم، بل ضروري، فهناك تحديث اقتصادي، وآخر سياسي، وثالث ثقافي، ورابع إداري.. الخ. وقد يأتي هذا التحديث بصورة متزامنة، خاصة حين تتوفر الرؤية البانورامية الشاملة لدى من يصنعون القرار القائمين على هذا التحديث، وقد يأتي متتابعاً أو متتالياً، بمعنى أن التحديث في حقل من الحقول آنفة الذكر أو غيرها، يقود، موضوعياً، إلى تحديث في حقول أخرى.
مثلاً، يؤدي تأسيس التعليم وتجديده بالمضامين الحديثة، لا محالة، إلى أن تكتسب النساء وعياً بحقوقهن، وتطلعاً لأن يصبحن شريكات للرجال في مجالات الحياة المختلفة، وعلى ذلك قس الكثير. والدليل أننا عندما نتحدث عن تاريخ التحديث في حقل من الحقول يقودنا البحث إلى تقصي أسبابه التي سنجدها في التحديث في حقول أخرى كان له الأثر في حدوثه.
لكن ما نرغب في تسليط الضوء عليه هو أن كل مشروعات التحديث العربي التي آلت، أو آل معظمها إن تحاشينا التعميم، إلى الإخفاق كانت تنطلق فعلياً من نقطة مقطوعة عما سبقها، فنحن نعرف بالدراسة، أن مشروع الحداثة الذي قاده محمد علي باشا، على أهميته وعمقه، آل إلى التعثر، إما بسبب المكائد الخارجية التي لم يكن أصحابها يريدون لمصر وللعالم العربي خيراً، أو بسبب الفساد الذي نخر في البنية الإدارية المناط به إنجازه، كما تجلى ذلك في أداء ورثة محمد علي نفسه.
وهنا علينا أن نطرح السؤال: إلى أي مدى استفادت تجربة جمال عبدالناصر في التحديث من المنجز السابق لها، بإقصاء ما به من سلبيات، وتوظيف الإيجابيات الكثيرة فيه، لتحقيق ما ندعوه بالتراكم الضروري من الخبرات والتجارب والمكاسب صعوداً إلى الأمام؟
ما يصح على النموذج المصري يصح على بلد مثل سوريا أو الجزائر أو العراق وغيرها الكثير، فما إن يتغير النظام السياسي حتى يجري الانقلاب على كل شيء، بما في ذلك ما كان قد تحقق من مكاسب مهما كان حجمها، فنعود، مرة أخرى، إلى نقطة البداية.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى