قضايا ودراسات

تقاعد ثقافي مبكر

خيري منصور

سهل على أي إنسان نافد الصبر وبلا أية استراتيجية للتغيير والتطوير أن يقلب المائدة، كاللاعب الذي لا يطيق الخسارة ويريد دائماً الحصول على بوليصة تأمين للربح!
هذا ما يحدث الآن لبعض المثقفين العرب الذين يتقاعدون مبكراً عن دورهم التاريخي أو يستقيلون بحجة أن الواقع لم يعد قابلاً للاحتمال أو أن التغيير لم يعد ممكناً، بعد أن تحول التخلف ومحاصيله المرة إلى قضاء وقدر!
هؤلاء يعودون من أول الطريق، لأن حساباتهم شخصية، ورؤاهم قاصرة ويريدون من التاريخ أن يكون طوع بنانهم، ناسين ذلك المثل القائل إن المياه العميقة تسير ببطء وإن الطبخ على نار ذات لهب يحرق الطعام!
إن سبب اليأس المبكر ونفاد الصبر هو التشخيص الخاطئ والقاصر للقضايا، وهناك حكاية تروى في مثل هذا السياق عن مريض الْتهم علبة الدواء كلها في يوم واحد كي يسرع في الشفاء، وكانت النتيجة أنه هلك وتسمم ودفع ثمن تسرعه!
إن إيقاعات التحول والتطور حين تتعلق بالثقافة والمفاهيم والحراكات الكبرى للمجتمعات أبطأ بأضعاف مما يتصور المتعجلون، الذين يريدون قطاف عناقيد الشجرة التي يزرعونها بعد أسبوع أو حتى سنة!
وقد يليق ما يسمى حرق المراحل بالتطور التكنولوجي بحيث لا تعود الشعوب كلها دائماً إلى أول السطر وتكرر الأخطاء والمحاولات ذاتها!
لكن الثقافة بمعناها الدقيق المرادف للحضارة لها إيقاعات مختلفة، لأنها مرتبطة بأنماط إنتاج اقتصادية ومرجعيات تاريخية ومعرفية وعقائدية أيضاً، وثمة باستمرار عوامل تعوقها لأنها تشهد صراعاً بين محافظين واتّباعيين يرون في الماضي العصر الذهبي وبين محدثين يشدهم المستقبل!
وهناك عبارة تستحق التأمل للكاتب جورج فريدمان، يقول فيها إن أعمار الأشخاص تقاس بالعقود، لكن الأحداث التاريخية تقاس بالقرون، ويبدو أن مصدر الالتباس لدى المثقف العربي هو الإفراط في الشخصنة والفردية بحيث يتصور أن كل ما يحلم به يحب أن يتحقق في حياته، لهذا يعمل كما لو أنه سيموت غداً، ولا يعيش أبداً!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى