قضايا ودراسات

مليحة 1

يوسف أبولوز

زيارة مليحة.. حوالي 50 كيلومتراً شرقي الشارقة.. جنوبي الذيد.. زيارة للتاريخ والطبيعة البكر التي تحتضن في رحمها لغة المكان، وإشاراته الآثارية، وروحه الماثلة في الرمل، والحجارة والأشجار.
من جريدة الخليج عند الثانية ظهراً إلى مليحة تحتاج إلى ستين دقيقة على طريق مريح باتجاه مكان أفقي هو مكان الهدوء الصافي والطمأنينة الوارفة مع أبعاد الظلال التي ترسمها الأشجار المتباعدة أحياناً، والمتقاربة أحياناً مثل شقيقات منفردات في مدى أرضي بكر.
لا تتحدث أولاً عن مليحة إلا بلغة الشعر إذا كنت شغوفاً بقراءة الأثر والطلل ولغة المكان، والمكان هنا يجمع أصوات الرياح الخفيفة مع الظلال، مع المساحات الرملية المفتوحة على الشمس الشريكة في تكوين جماليات الصحراء.
مرة ثانية.. الهدوء، والصمت وبكرية الأرض المحافظة على إرثها الآثاري منذ حقبات ما قبل الميلاد، في حالة شعرية مملوءة بلغة صامتة، لكنها تحمل عبقرية التعبير وذكائه وبلاغته.
بالقرب من هذا الأفق الذي يتشكل في مليحة.. ترتفع الهضاب الجبلية المحيطة أو المجاورة بالمكان، وترسل هي الأخرى ظلالها الباردة مع اقتراب هبوط الشمس إلى غروبها الأليف بعيداً عن الضجيج وأصوات الآلات الحديدية.. وأصوات البشر المتقاطعة.
سوف تحترم المكان في خصوصيته وشخصيته ونبوغه الأرضي المبكر منذ أن عرف الإنسان كيف يحترم موت الكائنات المرافقة له في مقابر مثل بيوت أخيرة وأبدية تحت الأرض ومنذ أن عرف الإنسان كيف يضرب النقود، وينقشها، ويحول الحجر إلى تمثال، والفخار إلى لغة.
هذه مليحة أولاً، بلغة شعرية مصدرها الدهشة، ورؤية المكان بعين الرسام.. العين التي تتشرب المكان كله، وتذهب به إلى القلب.
كريم تراب مليحة وأمين على ذاكرته ومفردات تاريخه، فالرمل في عمقه الأرضي نحو الجذور لم يفرط بشيء من التاريخ، كما لم يفرط بشيء من إبداع الإنسان.
هذه مليحة.. الأثر، والنقش، والقصر، والمدفن، والمسكن، والرموز، ونوم الحجر في طمأنينته اللامتناهية، وهذه مليحة.. طهر التراب، وروح الزرع، وبراءة الإنسان وكرمه وتعلقه بالتاريخ، وقراءته للرمل والجبل والريح.
مليحة في البدء.. مدينة التقاء بشري. اسم قديم يحيل إلى الملح والملاحة، والمليحة هي الجميلة، والمليحة هي التي تحفظ سر الأرض، وفي مليحة أكثر من معنى وأكثر من إشارة، وأكثر من رمز، وأكثر من لغة.
مليحة أيضاً هوية تاريخية، ومرجعية حضارية ونبوغ تأسيسي في الأرض يحتاج إليها الشاعر ليكمل قصيدته، ويحتاج إليها الرسام ليكمل لوحته، ويحتاج إليها الروائي ليكمل سردية الأثر والطلل المتكلم الحي.. والتاريخ.
غداً أكمل..

y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى