قضايا ودراسات

المواجهة الدينية الشاملة لما بعد «داعش»

د. علي محمد فخرو

الآن، والخلافة الإسلامية الداعشية المزعومة تلفظ أنفاسها في العراق وسوريا، وتصبح سلطة بلا أرض، يطرح الكثيرون السؤال التالي: وماذا بعد «داعش»، وقريباً ماذا بعد أخواتها؟
السؤال مركّب يشمل السياسة والأمن والإرهاب المجنون والتناغم مع الاستخبارات الدولية والثقافة الدينية. ولذلك فالإجابات متعددة.
من أبرز الإجابات عن هذا السؤال، هي بعض الإجابات الرسمية من أن الوقت قد حان لتعديل مناهج تعليم الدين الإسلامي في المدارس والجامعات، ولضبط أساليب ووسائل عرض الدين الإسلامي على معتنقيه وعلى غيرهم من الناس الآخرين، سواء في المساجد والحسينيات أو وسائل الإعلام المختلفة. المنادون بتلك الخطوة الإصلاحية ينادون بعدم التطرق للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشروح الفقهية التي قد يُشتم منها، على سبيل المثال، المناداة بالجهاد الحربي لمحاربة الكفار ونشر الدين الإسلامي، أو توجيه النقد لأصحاب الديانات الأخرى.
كما ينادي هؤلاء بإشراف الدولة على خطب المساجد وتحديد الخطوط الحمر التي يجب ألا يتخطاها خطباء المساجد والمتحدثون على وسائل الإعلام المختلفة.
ويضيف البعض بأهمية تدريس مختلف المذاهب الإسلامية من أجل تقليل الانطواء المتعصب على المذاهب، وبالتالي تقليل حدوث الصراعات المذهبية.
لكن، هل أن مثل تلك الخطوات الخجولة ستكون كافية لحماية الشباب المسلم، عرباً وغير عرب، من تأثيرات مجانين الإسلام السياسي المتطرفين المتزمتين المنادين بضرورة محاربة العالم كله باسم الشعارات الإسلامية التي يرفعون؟ ذلك أن موضوع الجهاد الإسلامي العنفي المشوّه لروح الإسلام وقيمه لا يتلخّص في تفسيرات بليدة لبعض الآيات القرآنية ولبعض الأحاديث المنسوبة للنبي الكريم ولأقوال متناثرة لهذا الفقيه أو ذاك. فالموضوع هو أكبر وأعقد وأخطر من ذلك بكثير، ويحتاج إلى مواجهة شاملة.
لنضع جانباً المواجهات السياسية والأمنية والاقتصادية، ولنأخذ، على سبيل المثال، المواجهة الدينية. في هذا الحقل توجد إشكاليات كبرى في مصدرين أساسيين من مصادر الدين الإسلامي: الأحاديث المنسوبة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، والتراث الفقهي. وهي إشكاليات تتعلّق بمنهجية التدوين، وبالتأثر الواضح بتقلبات السياسة وصراعات الحكم، وبالكذب المتعمد سواء بالنسبة للرسول الكريم أو لهذا الإمام أو ذاك الفقيه المشهور، وبعلاقة المصدرين بما جاء في القرآن الكريم.
لنذكّر أنفسنا بالفترة الزمانية الطويلة فيما بين وفاة الرسول، عليه الصلاة والسلام، وبين تدوين الأحاديث المنسوبة إليه، بموضوع الذاكرة الإنسانية الشائك وتغيُّر الألفاظ والمعاني في تلك الذاكرة بمرور الزمن، بالنقاشات الحادة حول الإسناد والتنقيح، بموضوع مدى الالتزام بالأحاديث الأحادية والذي لا يزال معنا، بادعاءات البعض من إمكانية نسخ آيات قرآنية من قبل أحاديث نبوية، بمقدار الإضافات على كتب الفقه الشهيرة من قبل تلاميذ مؤلفيها، بموضوع الصراعات الدموية حول مكانة الرأي والعقل في فهم القرآن وتفسيره وبالنسبة لقدمه أو خلقه، بالكتابات الناقدة الكثيرة الحديثة حول ما جاء في مصادر فقهية .
لنذكّر أنفسنا بكل ذلك لنعرف أننا أمام تراث هائل يحتاج إلى أن يُحلل بموضوعية تامة، وأن ينقد بهدوء وعدم تشنُّج، وأن ينقّح من كثير من الشوائب التي ألصقت به، وأن يستفاد في تجديد فهمه من مختلف علوم العصر الإنسانية والاجتماعية والطبيعية.
ولأنه بهذا الحجم وبتلك التعقيدات، فإنه سيحتاج إلى جهد مؤسساتي قائم على إمكانات الرسمي وإمكانات المجتمعي، وإلى استقلالية تبعده عن انتهازيات السياسة واستغلالها للدين، وإلى شجاعة تتخطّى المذاهب والحساسيات الطائفية.
إنه جهد للقيام بخطوات تفصل التاريخ عن الدين، وتنهي سوء فهم تاريخي لدين فطرة لا يحتاج إلى كل التعقيدات والإضافات التي فرضته صراعات البشر عليه.
عند ذاك، وعند ذاك فقط، سنرى انعكاساً لذلك الجهد ونتائجه على المناهج الدراسية والخطابات الدينية في المساجد والحسينيات وعلى منابر الإعلام المختلفة. عند ذاك سنسدُّ الطريق أمام مجانين الجهاد الإسلامي المتخلّفين في الفكر والضمير الديني.
لنذكّر أنفسنا أخيراً بأن ذلك الموضوع لا يقف عند حدود ساحة الدين، ذلك أن تأثيراته البالغة في السلوكيات الاجتماعية، والأوضاع النفسية للفرد المسلم، والمنطلقات الثقافية للمجتمعات، والممارسات السياسية في الدول العربية والإسلامية، مساوية في أهميتها للجوانب الدينية البحتة.
لقد جرت محاولات فردية كثيرة في الماضي والحاضر لمواجهة نقاط الضعف في هذا التراث، وذلك من أجل إرجاع مكانة القرآن الكريم الواضح السمح في حياة المسلم والتي أضعفها ذلك التراث عبر القرون، لكن ذلك لم يكن يكفي. لقد أضاع الجنون الجهادي العنفي المتخلّف كل تلك الجهود وأزاحها من الطريق.
الآن، وقد بدأت تلك الظاهرة بالانحسار، سواء لعنفوانها أو لمموّليها من استخبارات وحكومات، فإن الفرصة سانحة لاجتثاث المصادر المبهمة التي سمحت لتلك الظاهرة بالبروز وبنشر الخراب والدمار.
الترقيعات لن تفيد، المواجهة الجذرية هي الحل.

hsalaiti@kpmg.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى