قضايا ودراسات

المرض العقلي والجريمة العنيفة

ساندي سيمبسون وستيفاني بيني*

أثبتت بعض الدراسات، أن الخوف من خطر المرضى عقلياً مبالغ فيه، وكذلك الحال مع عدد جرائم العنف المنسوبة إليهم.
يحتدم النقاش في الولايات المتحدة، حول دور المرض العقلي في أفعال العنف المتطرفة، مع إعلان الرئيس دونالد ترامب، أن إطلاق النار الأخير في كنيسة تكساس، الذي خلف 26 قتيلاً، كان «مشكلة صحة عقلية في أعلى المستويات».
وعلى الرغم من أننا محظوظون في كندا، بأننا غير مُبتلين بعنف الأسلحة بالدرجة الملحوظة في الولايات المتحدة، فإن فكرة مسؤولية المرض العقلي عن العديد من أعمال العنف المتطرف- إن لم يكن معظمها- لا تزال موجودة بدرجة كبيرة في الحوار العام والسياسي. وفي كثير من الأحيان، تُعتبر طبيعة الفعل ذاتها، دليلاً على مشكلة في الصحة العقلية، لأنه من المؤكد، أن الشخص الذي يتمتع بقواه العقلية، لن ينخرط في مثل هذا النوع من السلوك. وكثيراً ما كان ردّ فعل السياسة العامة «حيث لا نستطيع السيطرة على الأسلحة، فلنسيطر على الأشخاص ذوي المرض العقلي».
ويرتبط بهذه القضية، القلق العام إزاء نزع الطابع المؤسسي عنها. فعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، تم إغلاق مستشفيات عقلية كبيرة، وتحويل الرعاية إلى المجتمع المحلي. فهل تسبب هذا التحويل بإيذاء مزيد من الناس على أيدي أشخاص مصابين بأمراض عقلية؟ هذه الفكرة، كثيراً ما تُطرح عندما يحدث عمل عنيف. في كندا، تشكل الشهرة التي تحيط بعمليات القتل النادرة، والشديدة من نوعها، على أيدي أفراد ذوي أمراض عقلية خطيرة، مصدراً رئيسياً للخوف منهم، ووصمهم بسمات مميزة.
وقد أثرت هذه القضايا البارزة، بصورة مباشرة، في إصلاح القانون، ولا سيّما مشروع قانون سي- 14، قانون إصلاح، «غير المسؤول جنائياً»، الذي بدأ سريانه في كندا في 11 يوليو/ تموز 2014. وكانت قضيتان من القضايا التي برزت في هذا النقاش، لأشخاص حُكم عليهم بأنهم «غير مسؤولين جنائياً» في تهم القتل. فهل أصبحت هذه القضايا أكثر شيوعاً؟ وهل يتعرض الجمهور لخطر شديد؟
الجواب كلاّ. فقد قام فريقنا البحثي بالتحقيق في ما إذا كان القتل المرتبط بالمرض العقلي، قد أصبح أكثر شيوعاً خلال العقود الأخيرة، بعد تحويل خدمات الصحة العقلية إلى المجتمع. وللقيام بذلك، درسنا جميع عمليات القتل التي ارتكبت في أونتاريو منذ عام 1987، بما في ذلك، التي حُكِم فيها بأن مرتكبيها غير مسؤولين جنائياً. وكان هدفنا توفير بيانات على مستوى السكان، لاختبار ما إذا كانت عمليات القتل التي ارتكبها مرضى عقليون بدرجة خطيرة، قد ازدادت بمرور الزمن، ولا سيّما في مواجهة انخفاض رعاية المرضى في المستشفيات، وازدياد رعاية المجتمع لهم. كما أردنا أيضاً أن نستكشف أنواع الأمراض النفسية، التي تُرى لدى المرتكبين، وخصائص ضحاياهم.
كان هنالك 4402 من مرتكبي عمليات القتل، الذين تم تسجيلهم من 1987 إلى 2012. وكان من بين هؤلاء، 163 شخصاً- أو 4% من جميع المعتدين- مرضى عقليون بدرجة خطيرة، وتمّ اعتبارهم غير مسؤولين جنائياً. وكان لدى 83% من هؤلاء، اضطرابات ذِهانية، وقت ارتكاب الجريمة. وعلى النقيض من انخفاض معدلات الإدخال للمستشفيات، بقي معدل جرائم القتل غير المسؤول جنائياً ثابتاً عند نحو 6.5 حالة في العام. وفي المقابل، كان هنالك في المتوسط، 163 قاتلاً ليسوا غير مسؤولين جنائياً، في كل عام، مع انخفاض مهم ملحوظ من عام 1987 إلى 2012. ولم تكن ثمة علاقة بين معدل عمليات القتل غير المسؤول جنائياً، ومعدلات الاستشفاء النفسي في المستشفيات.
وفرصة حدوث القتل على يد شخص غريب عن المرء، مريض عقلياً، نادرة للغاية، استناداً إلى ما قمنا به من دراسات. وقد أظهرت بياناتنا، أن من الأشخاص ال 710، الذين قُتلوا على أيدي غرباء على مدى هذه الفترة من الزمن، كان هنالك 15 شخصاً، قُتلوا على أيدي أشخاص مرضى عقلياً.
وكان أفراد الأسرة، أكثر تعرضاً لاحتمالات أن يكون ضحايا لعمليات القتل غير المسؤول جنائياً، بينما اشتملت عمليات القتل غير المسؤول جنائياً، على مزيد من الضحايا من المعارف والغرباء.
وقد ارتفعت معدلات القتل بين عامة السكان وانخفضت، دون علاقة مع السياسات الاجتماعية المتعلقة بالأمراض العقلية. ويبدو أن إساءة استخدام المخدرات، أصبحت مشكلة أكثر شيوعاً لدى المرضى عقلياً، كما أصبحت في المجتمع بوجه عام.
وقد خلصنا، كما خلص غيرنا قبلنا، إلى أن المخاوف العامة من المرضى عقلياً، تتجاوز بكثير الخطر الفعلي الذي يشكله أمثال هؤلاء الأشخاص. قد يشكل عدد صغير من الناس خطراً كبيراً على الآخرين، ولكن هذا الخطر، ناجم عن أعراض حادة يمكن أن تستجيب للعلاج. وسياسات الإدماج الاجتماعي، والحدّ من الوصم بصفات معينة، وتوفير الرعاية للناس، هي الخطوات الأهم لتعزيز صحة الأفراد ذوي الأمراض العقلية؛ ومن شأن ذلك، أن يخفف من تعرض الآخرين للخطر.

*ساندي سيمبسون، رئيس الطب الشرعي في مركز الإدمان والصحة النفسية، (الكندي)، وستيفاني بيني، طبيبة في قسم الطب النفسي الشرعي، (في المركز نفسه) موقع: صحيفة «ذي غلوب آند ميل» الكندية.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى