قضايا ودراسات

اجتثاث «داعش» لا الانتصار عليه

عمر عليمات

دمشق وبغداد تعلنان تحرير آخر معاقل «داعش» الكبرى في دير الزور والقائم، بعد اندحار التنظيم في الرقة والموصل، والحديث يدور الآن عن أشهر قليلة تفصلنا عن النهاية المدوية للتنظيم واجتثاثه من كامل الأراضي السورية والعراقية، وبرغم التفاؤل بنهاية «بوق الشر»، إلا أن السؤال الأهم هو أين ذهب «الدواعش»؟
المناطق التي حُرّرت من التنظيم لم يظهر فيها سوى سكانها المحتفلين بالنصر والتحرر من عبودية الإرهاب المقيت، فلا أسرى ولا قتلى في المشهد، فأين الآلاف الذين عاثوا في الأرض فساداً وخراباً لسنوات طويلة، هل خلعوا عمائم الحرب وحلقوا اللحى واندمجوا في المجتمعات المحررة تقية إلى حين؟ أم أنهم فروا إلى مناطق أخرى ليقيموا دولتهم المزعومة؟ أم أنهم أعدوا العُدة سابقاً للتحرك ضمن لعبة الكر والفر لاستنزاف القوات التي تحاربهم؟، تساؤلات تبحث عن إجابات تفسر لنا معادلة «تبخر داعش»، فنحن لا نتحدث عن معاقل أو مناطق سيطرة، بل نتحدث عن الرقة والموصل الركيزتين الأساسيتين اللتين قام عليهما التنظيم للإعلان عن دولة الظلام.
أنصاف الحلول لن تجدي نفعاً، فهروب الإرهابيين من منطقة إلى أخرى، ليس نصراً، بل ترحيل للمشكلة من نطاق جغرافي إلى آخر، ف«الدواعش» يختفون هم وأسلحتهم وعتادهم، ولا أحد يتحدث عنهم ويبقى التركيز فقط على المحتفلين في الساحات رافعين علامات النصر وكأن شيئاً لم يحدث.
الإرهابيون المتعطشون للدماء والفكر المنحرف، لا يمكن أن يترك لهم باب للفرار، لأننا بذلك نفتح باباً للقتل والدمار والتطرف والعنف، ونقدم لهم قُبلة الحياة واستراحة المحارب ليواصلوا شرورهم من مكان إلى آخر ويعيثوا فساداً في الأرض ويهلكوا الحرث والنسل، فهؤلاء هم أحط بني البشر تجمعوا من كل حدب وصوب، تجمعهم متعة القتل وتوحدهم عقيدة الخراب، يقولون ما لا يفعلون، يتخذون الدين ستاراً للتعبير عن كوامنهم الشيطانية التي لا ترى من متع الحياة سوى القتال والنكاح.
اختفاء «الدواعش» وانتقالهم إلى مناطق أخرى لا يمكن أن يعتبر نهاية التنظيم، بل هو فصل جديد من فصول الإرهاب، ولنا في الحرب على تنظيم القاعدة في أفغانستان عبرة ودرس، حيث اعتبر العالم أن تدمير الهيكل التنظيمي لـ«القاعدة» نصر، وغفل عن تعقب عناصره واجتثاثهم، فكانت النتيجة أن فرخت لنا «القاعدة» قواعد عدة أخطرها تنظيم داعش.
«الدواعش» فروا من الموصل والرقة ودير الزور والعديد من المناطق الأخرى، ولم يبقَ منهم إلا أطفال ونساء لا يمكن تمييز الضحية بينهن ممن تؤمن بالفكر المتطرف، وهنا خطر آخر لا بد أن يعالج معالجة صحيحة، فالأطفال لا بُد أن توضع لهم برامج تضمن إعادة تأهيلهم والقضاء على الفكر المتطرف الذي تشربوه من آبائهم، أما النساء فلا بُد من التدقيق عليهن بشكل فاحص فضلاً عن إعداد قاعدة بيانات خاصة بهن، تتم مشاركتها بين جميع الدول المعنية تسمح بإبقائهن تحت المراقبة، فخطر امرأة واحدة يعادل خطر مئات المقاتلين، لأن المرأة هي من تربي الأجيال وتدخل البيوت وتتساهل معها القوانين، فإذا كانت حاملة لفكر متطرف فهي بالتأكيد ستكون الفيروس الذي يضرب كل من يحيط بها.
المرحلة التي نمر بها اليوم لا تقل خطورة عن الفترة التي كان فيها التنظيم في أوج قوته، حين صعد «طاغية داعش» أبوبكر البغدادي منبر مسجد النوري في الموصل ليخطب في المصلين بصفته خليفة المسلمين!، لذا فمن المهم عدم الركون إلى ما تحقق في مشوار محاربة «داعش»، فلا بد من ملاحقة هذا التنظيم وضمان عدم تغلغل عناصره في مجتمعاتهم الأم، أو محاولة بناء كيان إرهابي جديد في أي بقعة من بقاع العالم، وإلا فإننا نكون قد ربحنا جولة ولم ننهِ المعركة، فمعركتنا مع الإرهاب والتطرف هي معركة حياة، فإما أن نجتثه عسكرياً وفكرياً وإلا سنبقى ندور في دائرة الجولات غير المنتهية التي تستنزف الجهد والوقت، وتؤثر في تنمية واستقرار ورفاه منطقتنا وشعوبها.

olimat25@yahoo.com


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى