قضايا ودراسات

وعد بلفور.. ذكرى عابرة

د. محمد الصياد

تمر الذكرى السنوية لوعد بلفور، الوعد الذي قطعته الحكومة البريطانية على نفسها في خطاب حمل توقيع وزير خارجيتها آرثر بلفور مؤرخ في 2 نوفمبر 2017 وموجه إلى زعيم الحركة الصهيونية وممولها المالي اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، يشير فيه إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين الذين لم يكن عددهم هناك يتجاوز آنذاك 5% من سكانها العرب – تمر هذه الذكرى سنويا بشكل عابر واعتيادي كأي يوم من أيام الحراك المجتمعي العام في العالم العربي، من دون أن تلفت إليها الانتباه أو يخالفها عن بقية أيام السنة بفعاليات متجددة غير اعتيادية تتناسب وهول الحدث الذي مثله للعالم العربي والذي لازالت تداعياته الكارثية تنهش في ما تبقى من الأمة العربية التي انحدرت من مرحلة الوحدة إلى مرحلة التفتيت والتشظي العرقي والإثني والطائفي (جنوب السودان، كردستان العراق، أمازيغ شمال إفريقيا، وأخيراً وليس آخراً اللوثة الطائفية والمذهبية التي تجتاح العالم العربي منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في أبريل 2003).
حتى ذكراه المئوية لم تختلف عن سابقاتها. ولولا تجديد بريطانيا الوعد والاحتفال رسمياً به ودعوة رئيس وزراء «إسرائيل» للمشاركة في هذا الاحتفال لما استرعت إليها الانتباه، وأثارت غضب – كي لا نقول «حفيظة» – الجزء الحي الذي لازال ينبض بروح وحدة الأمة ووحدة مصيرها وبجوهر نضالاتها التي تتمحور حول وجوب إزالة آثار هذا الوعد البريطاني وكل ما ترتب عليه من جرائم تسببت في النسبة العظمى من مسؤولية الحالة الكارثية التي تردت إليها أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج.
على المقلب الآخر نجد أن «معسكر الوعد» (وعد بلفور)، قد جهز وأعد نفسه بشكل منسق وصاخب بغية تجديد إيصال رسالته إلى كل من يهمه أمر إنشاء كيان من الصفر، غدا في غضون قرن دولة تنتمي إلى مصاف الرأسماليات الغربية تتوفر على كامل أسباب القوة وأهلية التهديد باستخدامها وبضمنها القوة النووية. ف «الإسرائيليون» احتفلوا وكيف لا يحتفلون وقد وضعت بريطانيا بصمتها على مستقبل «إسرائيل» في فلسطين، ذلك أنه لولا هذا الوعد لما أُنشئت «إسرائيل». وهو ما حرصت تيريزا ماي على التعبير عن الفخر البريطاني به. وفي غمرة هذه الاحتفالية التي ترمز إلى درب «الهولوكوست» الصهيوني الذي قطعته الصهيونية العالمية على مدى قرن من الزمان صعودا على ملايين الضحايا العرب، انبرى سفير «إسرائيل» في بريطانيا منذ إبريل 2016، مارك ريجيف للمزايدة بوقاحة سوقية، لا علاقة لها باللياقة الدبلوماسية المتعارف عليها، على تفاخر تيريزا ماي بالوعد، لوصم أفراد الشعب البريطاني بالمتطرفين إذا اعترضوا على وعد بلفور. مضيفا: «إذا اعترضت على وطن اليهود، فهذا يعني أنك تعتقد بضرورة تدمير «إسرائيل». وهذا هو بالضبط ما يسعى إليه أعداء إسرائيل». علما بأن هذا السفير كان يشغل منصب الناطق الرسمي لبنيامين نتنياهو خلال الفترة من 2007-2015، حيث اشتُهر بتبريراته المقرفة لمجزرة الجيش «الإسرائيلي» في قطاع غزة.
جدير بالذكر أن بريطانيا (العظمى آنذاك) أرادت من وراء إعطائها اليهود الوعد اللئيم بإنشاء وطن لهم في فلسطين، كسب أثرياء يهود أوروبا والولايات المتحدة إلى جانبها في الحرب العالمية الثانية، ووقف هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية إليها، وتحويلهم بدلا من ذلك إلى إحدى مستعمراتها، حيث وقع الاختيار على فلسطين بعد أن قوبل مقترح وزير الخارجية بلفور بإنشاء وطن لليهود في أوغندا بالرفض من المؤتمر الصهيوني السادس بدعوى أن أوغندا لن تجذب اليهود للهجرة إليها.
وعد بلفور ليس ذكرى عادية ولا يجب أن تكون، هذا حساب يجب أن يظل مفتوحاً وأن يتم ترحيل رصيد الدائن من جيل إلى جيل. لا يجب أن تفلت بريطانيا من دفع ثمن هذه الجريمة. فإن أخفق الجيلان السابقان في تغيير كفة الصراع وإعادة الأمور إلى نصابها، فإن التاريخ لن ينتهي عندهما، ويجب إعطاء الأجيال الجديدة الحق في مواصلة النهوض بهذه المهمة الوطنية والقومية الكبرى. ففي التحليل الاستراتيجي، الاقتصادي الاجتماعي العميق، من غير المتصور تأمين عبور عربي آمن نحو المستقبل الواعد، من دون اكتمال نصاب الاستقلالات العربية بحصول فلسطين على حريتها والتخلص من أثقال وأعباء ودسائس الطابع العدواني والعنصري والنازي للاحتلال الغاصب.

alsayyadm@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى