قضايا ودراسات

من تُسامح؟

شيخة الجابري

أظنه سؤالاً بدهيّاً عنّ على الكثيرين منّا يوم أمس الذي صادف اليوم العالمي للتسامح والذي احتفل به عديد من الداعين إلى التسامح ونبذ العنف والفرقة والقطيعة، والتركيز على العمل المشترك، والعلاقات الإنسانية النبيلة، وطي الصفحات السوداء في حياة بعضنا، تلك التي لا يريدون لعتمتها أن تنجلي، رغم أننا كمسلمين مثلاً لدينا قول عظيم على لسان نبينا العظيم محمد بن عبد الله «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، كما الأديان الأخرى التي تدعو إلى التسامح من أجل حياة أفضل.
بعضنا لا يعرف كيفية التسامح لأنه في الأصل غير متصالح مع نفسه، ويعيش في حالة من العزلة مع الذات، والعداوة مع الآخر، رغم أن الآخر قد يكون عادياً جداً ومتسامحاً إلى أبعد حد، هذا على المستوى الإنساني العادي، فما بالنا بالتسامح في قيمته العليا لغة عالمية، تدعو إلى التناغم في التعامل، والإنسانية في العلاقات، هذا ما تدعو إليه القلوب النابضة بالحب، وبالجمال، المتكئة على الوفاء قيمة، والتواصل فعلاً.
إن العلاقات الإنسانية النبيلة حين تظللها سحابة القطيعة، وتتشوه ملامح اللوحة المضيئة في داخلها تصبح في سلوك البعض صفحة غير قابلة للطي، رغم أن السحاب يحمل المطر الذي يغسل الأرواح، واللوحة الجميلة تذهب بالبصر إلى آفاق بعيدة من الجمال، والشفافية، والأوراق تمتلئ بالحب، والمشاعر الفياضة بالتناغم والانسجام.
غير أن الذين يحملون في دواخلهم شيئاً من البغضاء والتعنت، والعزة بالإثم يستميتون من أجل استمرار أفعالهم البعيدة جداً عن قيمة التسامح، وهم لا يعلمون أن التسامح يبدأ من الداخل، من التصالح مع الذات، من السلوك النفسي الخاص جداً، والملتهب بالمشاعر الصادقة والعميقة، أولئك لا يزرعون الورد، بل يخاصمون المطر كي لا ينبت الزهر، فتزهو الحياة وتحلو بالتواصل والمودة والتراحم.
إن التسامح في شكله اللغوي معنى عظيم يرمي إلى الاحتواء تارة، وإلى التواصل تارة أخرى، وفي جانب مشع متجدد يذهب نحو المساحة الأوسع من الحب الخالص الذي لا يخضع لحالات متحولة، أو رغبات شخصية، إنه يستقطع من أرواحنا العاطفة الشفيفة، ومن أوقاتنا أيامنا الحلوة التي نبحث عنها في قلوب الآخرين التي تتصالح، ولا تؤمن بأن الإنسان مجرد كائن عابر وضعيف إذا ابتسم في وجهه إنسان بسيط، بَسط له الدنيا رحابة ومهابة.
تسامحوا لصحة نفسية جيدة، وعلاقات إنسانية طبيعية. تسامحوا من أعماقكم لتجدوا أن الدنيا جميلة بكم، وبالأحبة من حولكم على اختلاف قربها منكم. تسامحوا من أجلكم أنتم، ثم من أجل الآخرين الذي تحبون.

Qasaed21@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى