قضايا ودراسات

غريب أمر جمهورنا

مارلين سلوم

كلما اقتربنا من فهم المشهد، عدنا إلى نقطة البداية من جديد، وشعرنا بأن في الأمر أكثر من لغز، وبأن «الجمهور» يمشي باتجاهات معاكسة أحياناً كثيرة، يصعب علينا فهم أسبابها.
الكل يتفق على نبذ العنف، وعلى الوقوف في صفوف الضحايا، وشن الحملات الترويجية للحد من هذه السلوكيات المرفوضة اجتماعياً وإنسانياً، والكل يشدد على أهمية مواجهة المشكلة والتحدث عنها بلا خجل أو خوف.. وفي نفس الوقت، نرى إقبالاً كبيراً جداً على أفلام العنف والقتل والأكشن، والتي تترك أثرها بشكل مباشر على الأطفال، فيقلدونها ويتعودون على وجودها في حياتهم، وكأنها المشهد الروتيني للحياة. ونرى أيضاً إقبالاً غريباً على المسلسلات التي تروج للعنف خصوصاً ضد النساء، ولا نفهم السبب!
غريب أمر الجمهور حين يقرر أن يقف في صف مسلسل، يرفض التخلي عنه مهما قدمت له من أسباب منطقية، فهو في هذه الحالة يترك المنطق جانباً ويتمسك بقشور القصص الدرامية والنحيب والألم. وكأنه جمهور يحب تعذيب نفسه والبكاء مراراً وتكراراً.
المسلسل التركي «حب أبيض وأسود» مثلاً، تراجعت نسب مشاهدته في بلده الأم، وطالبت النائبة تور يلديز بيتشر بوقف عرضه، لما يتضمنه من عنف ضد المرأة أولاً، والعنف بشكل عام ثانياً، سواء في قصته أو في مشاهده، أما الجمهور العربي، فانتفض معترضاً على وقف العرض، لأنه يتابعه بشغف عبر مواقع مخصصة لهذه المسلسلات المترجمة أو المدبلجة، ويغرد حباً ودفاعاً عنه.
طبعاً ليس على القنوات الإلكترونية رقيب أو حسيب، وهي متاحة للجميع. لكن، إذا كان الجمهور لا يرى مانعاً من عمل فني به أشكال مختلفة من العنف، فلماذا الاعتراض إذاً على أفلام «السبكي» مثل «عبده موته» وغيره؟ ولماذا نستنكر وجود مسلسلات عربية تميل بشدة نحو الأكشن والقتل والجريمة؟ ألا يصنف هذا بالعنف أيضاً؟
غريبة أهواء الجمهور أحياناً، تقلب المعايير وتخلط الأوراق، من دون أن نفهم سبباً لذلك، وما نتوقع له النجاح لا يلقى إقبالاً، وما نراه فاشلاً يجد رواجاً ويحصد أعلى الإيرادات، حتى صنّاع بعض الأعمال يفاجئهم النجاح الكبير الذي يحصدونه، ويحاولون أحياناً استثماره في أعمال أخرى فيفشلون.
بغض النظر عن تقييم الأعمال، فإن أكثر ما يهمنا، هو وعي الجمهور بأهمية نبذ العنف، سواء على الشاشة أو في الحياة، لأن الدراما والأفلام تترك أثرها في نفوس المشاهدين شاؤوا أم أبوا، والبديهي أن نمنع انتشار ما ننبذه في حياتنا، ونسعى للحد منه في مجتمعاتنا، بدل أن نستقبله مهللين حين يصلنا مغلفاً بقوالب فنية جميلة.
وبعد، كيف نقنع المنتج العربي بأن «الجمهور مش عاوز كده»، وأن عليه أن يحترم أذواقنا ويرتقي بأعماله التلفزيونية والسينمائية، إن رضينا بكل هذا العنف في دراما الآخرين؟

marlynsalloum@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى