قضايا ودراسات

اليسار العربي في «الربيع العربي»

كمال الجزولي

لا يزال التساؤل ينطرح حول ضعف أداء «اليسار العربي» خلال ما يسمى«الربيع العربي». والإجابة، في رأينا، تحتاج إلى بعض التفصيل. ف«الربيع العربي» نموذج للمستوى اللازم من تهيؤ «العامل الموضوعي» للتغيير. ويتوفر هذا «العامل الموضوعي» حين يبلغ النظام الحاكم أقصى درجات العجز عن حل أبسط المشكلات، وتبلغ الجماهير أقصى درجات الرفض لاستمراره. لكن هذا «العامل الموضوعي» يلزم له «عامل ذاتي» يتمثل في مستوى من الاقتدار ينبغي توفره لدى من يطرح نفسه لقيادة «التغيير/‏الربيع»، وإلا فإن «العامل الموضوعي» قد يتهيأ، ثم يتبدد سدى، أكثر من مرة.
وحين وافى «الربيع العربي»، مع خواتيم العقد الماضي، مثل فرصة نادرة تهيأ، من خلالها، «العامل الموضوعي»، ليس، فقط، للتغيير في الكثير من البلدان العربية التي تتشابه ظروفها من حيث انتشار الفقر، والتخلف الاجتماعي، بل مثل، أيضاً، مناسبة كان يجمل ب«اليسار العربي» اهتبالها لإرجاع البصر، كرتين، في بنيات أحزابه، وبرامجها، واستراتيجياتها، وتكتيكاتها، ليتمكن من بلورة «العامل الذاتي»، استشرافاً للغد الأفضل.
ومصطلح «اليسار العربي» يعني، إضافة للأحزاب الماركسية، الأحزاب العروبية المتأثرة، ولو شكلياً، بالماركسية، كالناصرية والبعثية التي تقلدت السلطة في بلدانها، فأضحت قيادة «قومية» لأحزابها «القطرية»، علماً بأن هذه الأحزاب، الماركسية منها والعروبية، ذات منشأ برجوازي صغير، بفعل الواقع الاقتصادي لبلدانها، والتركيب الطبقي لمجتمعاتها.
ولأن الماركسية طبعات، فإن تأثر اﻷحزاب العروبية «القطرية» بها، يتم بالاقتداء «غير المباشر» بما تنقله الأحزاب العروبية «القومية» عن أي طبعة منها، كما في سوريا والعراق، على سبيل المثال.
أما ليبيا، وإن بدأت بمنحى ناصري، لكنها سرعان ما اجترحت طريقاً مغايراً باسم «النظرية الثالثة» التي ظل الكثيرون يعانون صعوبة فهمها، حتى تبخرت مع مقتل القذافي، وتدمير نظامه.
«التأثير والتأثر» عملية قد تكون مرغوبة، لو اقتصرت على حسن الاعتبار. غير أن التجربة التاريخية أوضحت، للأسف، كثرة الانكفاء على النقل الكربوني، ومن ثم انزلاق العلاقات بين الأحزاب الماركسية الكبيرة والصغيرة، من «الاقتداء» إلى «الانقياد»، ومن «الاستقلالية» إلى «التبعية». وأهم أسباب ذلك غياب الديمقراطية السياسية، وما يستتبعه من قمع واضطهاد تشنهما ضد الأحزاب المعارضة، في الأغلب، وللمفارقة، فإن الأنظمة الشمولية لنفس الأحزاب العروبية «القومية»، متوكئة على عصا «الثورية»؛ ولا نحتاج إلى فانوس ديوجين لنضيء النقل الحرفي، هنا، من خبرات الدول الاشتراكية التي كانت تفتقر إلى أي نموذج ملهم في الديمقراطية.
لكن المفارقة تبلغ أوجها حين تتعرض الأحزاب العروبية «القطرية» للمصير نفسه، فتبدأ باستشعار الحاجة للاستقواء على الأنظمة التي تقمعها بالقوى العروبية «القومية»، عل شمولية النظام المعين تخفف من غلواء اضطهادها لها. وليس أيسر، في سبيل ذلك، من «استتباع» الأحزاب «القطرية»، تنظيمياً، للأحزاب «القومية» الحاكمة في بغداد ودمشق، أو القاهرة في سنوات خلت، فهذا «الاستتباع التنظيمي» مبرر، عقدياً، ضمن البنية الأيديولوجية لهذه الأحزاب، عدا القلة.
والأمر نفسه، مع الفارق، ينطبق على كثير من الأحزاب الماركسية في المنطقة، والتي، للأسباب نفسها، تحول الاقتداء بالتجربة السوفييتية أو الصينية، إلى «تبعية» تستتر خلف «الأممية».
ظلت معظم الأحزاب اليسارية في المنطقة تعول، طوال العقود الماضية، على النقل من كتب المنتوج النظري القادمة من البلدان الاشتراكية سابقاً. وهو منتوج لا يسد حاجتها لفهم واقعها المحدد. لذا لم تستطع اجتراح طرح من داخل هذا الواقع. وتلك أبرز نقاط ضعفها على صعيد «العامل الذاتي» الذي لا طائل، من دونه، من «العامل الموضوعي».
هذا المنتوج يستوجب تأسيسه على مسوحات تحتاج، بدورها، لآليات منهجية موثوقة. وهذا ما لا يتم، غالباً، أو إذا تم، فبالكثير من المعميات الفكرية، واللغة الطلسمية. وفاقم من ضعف هذا «العامل الذاتي» التطاحن العبثي، والنزعة الإقصائية، والميل إلى الهيمنة، والبناء على نظرية التحالفات البرجوازية الصغيرة، القائمة على العقلية الانقلابية، واستتباع مركز واحد لبقية المراكز، بينما ينبغي ربط «التحالف» بقضية الديمقراطية، وعدم قصره على النخب، مهما كان وزنها، بل ترسيخه وسط الجماهير في كل بلد، كما في النطاق الإقليمي، وعلى برنامج محدد وملزم لكل أطرافه، يتعزز ويتطور باستقلالها الكامل، وتساويها في الحقوق والأعباء، وتشاورها الحر في ما بينها، واستمساكها بالديمقراطية، في معنى الحريات والحقوق، ورفض مصادرتها بأي مبرر، ولا حتى باسم «الدفاع عن الثورة!»، وبتضمين برنامج التحالف مهمة صونها، والتضامن لمقاومة أي اضطهاد للقوى الوطنية أو التقدمية.
من دون هذا الأفق الفكري لن تتضح أسباب ضعف أداء اليسار، سواءً إبان «الربيع العربي»، أو حتى في المستقبل.

kgizouli@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى