قضايا ودراسات

تحليل الحال بالموسيقى

عبد اللطيف الزبيدي

هل ثمة مفر من الضغط العالي؟ عندما يصبح التفكير بصوت عالٍ في حاجة إلى مخارج أصوات مرتفعة الذبذبات والترددات، فذلك يعني أن الجوّ العربيّ السائد ملبّد بالغيوم التي تنذر بالفيضانات، ما يجعل التعبير يلجأ إلى استخدام الآلات النافخة النحاسية. كأن البيئة تلوّح بطرد فرقة الوتريات من المسرح، لتنفجر المارشات العسكرية. هل بقي في الساحة العربية من مايسترو يضبط الإيقاع العام، ويحدد لجميع العازفين أدوارهم، فتتجاوب ذوات الأوتار وآلات النفخ الخشبية والنحاسية وذوات القرع مثلثاتٍ وطبولاً؟ نقل المباحث السياسية إلى ميدان فنيّ للمقارنة الفاحصة، قد يلوح لمن لا خيال له في التحليل بالمقايسة، عبثاً وإضاعة وقت وهرطقة. لكنه يعطينا تصوراً خاصاً ملهِماً، لحقائق المشهد التي يصعب الوصول إليها عبر الطرائق الملتوية في التنظير السياسيّ، الذي تضيع المنهجية الموضوعية فيه من جرّاء التغليف الإنشائيّ والبلاغيّ وألاعيب فنون الخطابة التبريرية.
ببساطة نقدية تحليلية: سنتخيل العالم العربيّ كما لو كان فرقة موسيقية، مكونة من عشرين عازفاً، لتدوير الرقم، ليس لها مايسترو متفق على حظوته بالأكثريّة، ولا إدارة فعالة تنسّق العمل وتنظم جدول الأعمال. من الطبيعيّ ظهور أشكال وألوان من تصرفات «وان مان شو». وسط عدم الاتفاق، تتفق بين الحين والحين آلات، في ثلاثيّ، رباعيّ، خماسيّ وغيرها، على عزف أعمال معيّنة، تتفشى الفوضى، وتريات تؤدي قطعة رومانسية، لكن النحاسيات ومعها الطبول تزلزل المسرح، يقفز عازف العود فيدخل ظهر عوده في رأس عازف النفير (الترومبيت)، فينتقم منه عازف التوبا النحاسية الضخمة، فيجعل فوهتها الجبارة خوذة رومانية لهامة «العوادجي». في زوايا متباعدة من المسرح، بضعة عازفين إيجابيين جادّين انفردوا بآلاتهم، كل على حدة، يواصلون العزف، يطورون مهاراتهم، وينمّون قدراتهم، وكأن شيئاً لم يكن، سوى أن المناوشات والنزاعات وقطع الأخشاب المتطايرة، تشغلهم تلقائياً عن العكوف على أداء العمل المثمر.
هذا جزء نسبيّ من الصورة. أصحاب الفرق العالمية الكبرى طامعون، عيونهم على المسرح العظيم الذي لا يعرف أهله كيف يستثمرون إمكاناته الهائلة الطائلة. الفرقة سوق مثاليّة لتجارة الآلات التي تتهشم كل يوم على الرؤوس التي لا تريد أن تتعلم. استمرار الشجار بات هدفاً حيوياً لمصانع الآلات. أضحى العازفون يشترون فوق ما يحتاجون إليه حتى لا ينفد المخزون، لا قدر الله، في الصراعات المنتظمة. في هذا هم يتحسبون للمستقبل ويعرفون ما هو التخطيط وحسن الإدارة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التشكيلية: كأنك أمام مخلوقات أتت من الفضاء، فعلى كل رأس مئة «بطحة».

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى