قضايا ودراسات

الثأر من الموتى

خيري منصور

صدرت في العالم العربي روايات، وأنتجت أفلام ومسلسلات كان هدف أصحابها نقد نظم سياسية لكن بعد فوات الأوان، وكانت البداية ما كتبه توفيق الحكيم بعنوان «عودة الوعي»، وهو يفترض مسبقاً أن الوعي كان غائباً أو مغيباً في فترة سياسية معينة، وإذا كان للنقد من جدوى، سواء في السياسة أو الأدب فإن التوقيت يصبح بالغ الأهمية، ويقال إن التوقيت أحياناً هو نصف الموقف، وما حدث في عالم السياسة تكرر بشكل أشد راديكالية في الثقافة، وكأن بعض النقاد ينتظرون بفارغ الصبر رحيل المبدع كي يقولوا ما يشاؤون!
حدث هذا مع شعراء كبار، كالبياتي وعبد الصبور ونزار قباني والسياب وأخيراً محمود درويش!
فهل كان هؤلاء الراحلون يمارسون خلال حياتهم نفوذاً على وسائل الإعلام والصحافة، أم أن للأمر تفسيراً نفسياً؟
الأرجح أن الدوافع التي تحرك البعض للثأر من الموتى في غيابهم نفسية واجتماعية بامتياز، ونادراً ما تكون ذات صلة بالثقافة والمفاهيم!
وقد نشرت أحاديث وحكايات عديدة عن هؤلاء بعد غيابهم، بحيث لم يعد التكذيب ممكناً.
رغم أن الراحلين يجب أن يكونوا أمانات في أعناق الورثة من الأحياء، وربما كانت الجرأة على تلفيق الحكايات عن الأدباء والمفكرين أسهل بكثير من ممارسة هذه الهواية الأقرب إلى الغواية في عالم الساسة، خصوصاً في نظم سياسية شمولية وشبه شمولية، تحكمها أحزاب تدعي احتكار الوطنية والتاريخ وحتى الهوية.
ما الفائدة من نقد يصدر بعد أوانه وفي غياب من كانوا سيستفيدون منه لتقويم المواقف وإعادة النظر والمراجعة؟
إنها متوالية لا تلوح لها نهاية، وستظل الكتابة بحرية لا حدود لها عن الموتى أقرب إلى الثأرية المؤجلة، لأن الأمر في مثل هذه الحالات يكون أقرب إلى النميمة، وأكل لحم الأخ ميتاً منها إلى النقد!
ولم يحدث من قبل أن تحول كاتب إلى ساهر على ميراثه حتى وهو في القبر، أو أن أوكل سياسي من ينوب عنه في الدفاع عن مواقفه، لأن المسألة كلها ترتهن للنزاهة والاحتكام إلى الضمير أو ما تبقى منه!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى