قضايا ودراسات

أمريكا تعامل أفغانستان كمستعمرة

برايان كلاولي*


لا يتوقف ممثلو الولايات المتحدة وحلف الأطلسي عن محاولة إقناع العالم بأن أفغانستان ليست مستنقع عنف ومرتع فساد.
في 28 سبتمبر/ أيلول، قال وزير الدفاع الأمريكي الجنرال جيمس ماتيس للصحفيين في كابول: إن «الثقة حلت محل الغموض» بسبب سياسة أمريكية جديدة، وإنه «بقدر ما تسارع طالبان إلى الاعتراف بأنهم لا يستطيعون الانتصار بالقنابل، بقدر ما سيتوقف القتل بسرعة».
وفي المؤتمر الصحفي ذاته، أشار سكرتير عام حلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ إلى هجوم شنّته طالبان على مطار كابول في ذلك اليوم، وقال: «أود أن أشيد بقوات الأمن الأفغانية التي تتعامل مع هذا النوع من الهجمات».
وفي الشهر التالي، خلال أيام 17 – 23 أكتوبر/ تشرين الأول، شن المتمردون 6 هجمات كبرى، ما أثبت أن طالبان ليست ضعيفة إطلاقاً: فقد قتل 71 شخصاً على الأقل وأصيب مئات في هجوم انتحاري ترافق مع هجوم على مواقع للجيش والشرطة في ولايتي غزني وباكتيا. كما قتل حوالي 50 جندياً حكومياً في هجوم لطالبان على قاعدة عسكرية في ولاية قندهار. وفي العاصمة كابول، فجر انتحاري نفسه داخل مسجد، ما أسفر عن مقتل 56 شخصاً وإصابة 55 آخرين، في حين قتل انتحاري آخر فجر حزامه الناسف 33 شخصاً على الأقل داخل مسجد في ولاية غور. وفي هجوم انتحاري آخر، قتل 15 طالباً عسكرياً كانوا يستقلون حافلة في كابول، كما قتل 4 شرطيين في هجوم لطالبان على مركز أمني في ولاية غزني.
وبينما كانت هذه المذابح جارية، قام وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بزيارة سرية إلى أفغانستان استغرقت ساعتين وأحيطت بسرية تامة حتى انتهائها. ولم يذهب تيلرسون إلى كابول، وإنما توجه إلى قاعدة باغرام الأمريكية الرئيسية. واعتبرت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه «أمر صادم أن يضطر كبار المسؤولين الأمريكيين إلى زيارة أفغانستان خلسة بعد 16 سنة من الحرب، وخسارة آلاف الأرواح، وإنفاق مليارات الدولارات».
ولاحظت محطة ال «بي بي سي» أن كلتا الحكومتين الأفغانية والأمريكية قالتا إن تيلرسون التقى الرئيس أشرف غني في كابول. ولكن سرعان ما تبين أن تيلرسون لم يذهب إلى كابول، بل إن الرئيس الأفغاني هو الذي اضطر للذهاب إلى قاعدة باغرام للقائه.
ولم يتضح ماذا كان يتوقع أن يتحقق من الزيارة، كما أنه لم يسمح لأي صحفي أفغاني بالذهاب إلى باغرام لتغطية لقاء الرئيس الأفغاني وتيلرسون.
وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان حادثة كارثية في العلاقات الأمريكية – الأفغانية، وذلك عندما قام الرئيس السابق باراك أوباما بزيارة قصيرة إلى أفغانستان في مايو/أيار 2014 من دون أن يجتمع بالرئيس الأفغاني آنذاك حامد قرضاي. وكما حدث مع غني خلال زيارة تيلرسون، فإن قرضاي لم يبلغ مسبقاً بأن أوباما قادم في زيارة إلى أفغانستان. وعندما أبلغ بوجود أوباما في قاعدة باغرام، رفض الذهاب إلى هناك للقاء الرئيس الأمريكي.
وقد لاحظ المواطنون الأفغان هذا السلوك الأمريكي المتغطرس، فيما لاحظت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن «الأفغان أشادوا برئيسهم قرضاي لرفضه لقاء الرئيس باراك أوباما خلال زيارة قصيرة إلى أفغانستان».
وفي الواقع، إنه لأمر مخز أن يزور رئيس الولايات المتحدة، أو أي مسؤول في الإدارة الأمريكية مثل تيلرسون، أفغانستان من دون إبلاغ رئيس هذا البلد مسبقاً. وهذا أمر لا يمكن أن يحدث مع بلد مثل فرنسا أو الصين، أو حتى تاهيتي، ولكن يبدو أن أفغانستان ليست مهمة بحيث تؤخذ في حسبان الأمريكيين.
وقبل ثلاث سنوات، أوضح رئيس أفغانستان ( قرضاي ) أن رئيس الولايات المتحدة لم يلتزم بالعرف الدولي ولا باللياقة، ولذلك كان لا بد من معاملته بما يتناسب مع سلوكه. ولكن الأمور تغيرت الآن، بحيث إنه عندما يزور مسؤول أمريكي أفغانستان، ويتجاهل الأعراف وحسن التعامل، يتعين مع ذلك على رئيس أفغانستان أن يتجاهل هذه الغطرسة الأمريكية ويرضخ للأوامر بأن يذهب للقاء الزائر الأمريكي في معقله الأمني قاعدة باغرام.
وهذا وضع محزن بالنسبة لأفغانستان بعد 16 سنة من العمليات العسكرية الأمريكية وإنفاق أكثر من 800 مليار دولار، حيث يجد وزير الخارجية الأمريكي أن سلامته تقتضي إخفاء زيارته عن العالم كله، بمن في ذلك رئيس البلد الذي يزوره. وإنه لأمر مريع أن تعامل الولايات المتحدة أفغانستان وكأنها مستعمرة أمريكية.

*ضابط سابق بالجيشين البريطاني والأسترالي وعمل سابقاً نائباً لرئيس البعثة العسكرية للأمم المتحدة في كشمير – موقع «استراتيجيك كلتشر»


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى