قضايا ودراسات

أوروبا المبتعدة عن الصديق الأمريكي

عاصم عبد الخالق

دون صخب أو احتفالات كبرى، خطت أوروبا خطوتها الأولى الناجحة في رحلة الألف ميل، للابتعاد عن التبعية الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة. لم يشأ الأوروبيون أن يستفزّوا حليفهم القوي على الجانب الآخر من الأطلسي، واختاروا أن يوقّعوا بهدوء في بروكسل يوم الاثنين الماضي وثيقة تاريخية تدشّن مرحلة بناء منظومة دفاعية مشتركة لها هيكلها الإداري والمالي وقواتها وميزانيتها وقاعدتها الصناعية العسكرية وبنيتها الاستخبارية.
الاتفاقية عرفت باسم «بيسكوا»، اختصاراً للاسم الرسمي، وهو «اتفاق التعاون الهيكلي الدائم»، ووقّعتها 23 دولة من إجمالي 28 عضواً في الاتحاد. لم يتخلّف سوى بريطانيا التي تخرج رسمياً في 2019، وأربع دول صغيرة هي البرتغال والدنمارك ومالطا وأيرلندا، مع حقها في الانضمام مستقبلاً.
وبإتمام هذه الخطوة تكون أوروبا بقيادة ألمانيا وفرنسا قد وضعت أقدامها بالفعل على طريق ما يوصف عادة بالاستقلال الحقيقي عن الولايات المتحدة. لذلك لم يكن غريباً أن يسهب المتحمسون للاتفاق في وصفه بالتاريخي أو الإنجاز غير المسبوق أو إعلان الاستقلال الأوروبي، أو قرار الخروج من العباءة الأمريكية، إلى آخر تلك الأوصاف التي تعبر عن حالة توهّج المشاعر القومية التي تسود العديد من البلدان الأوروبية حالياً.
رغم كل ذلك (وربما بسببه) حرص القادة الأوروبيون على النص في الاتفاق أنه ليس بديلاً عن «الناتو» أو منافساً له، ولكنه منظومة مكملة للحلف الكبير. التأكيد الأوروبي بهذا الشكل اعتبره كثيرون مجرد مجاملة للصديق الأمريكي، لا تنفي نية الاتحاد الأوروبي في امتلاك زمام أموره بيده. آخرون اعتبروا هذا النص وسيلة لاحتواء القلق الأمريكي. بينما ذهب فريق ثالث إلى التأكيد أن ما أكده الأوروبيون من استمرار التعاون مع «الناتو» والحاجة إليه يعبّر عن نيّة صادقة.
والرأي الأخير هو الأصوب على ضوء مصالح بلدان القارة العجوز التي تحتاج إلى استمرار الحماية العسكرية التي يوفّرها «الناتو». ولهذا يرى الحكماء الأوروبيون أنه لا بأس من اقتناص كل ما يمكن من المكاسب من الصديق الأمريكي دون الالتزام بمواقف أو سياسات لا تريدها أو لا تقبلها الدول الأوروبية. والمنظومة الدفاعية الجديدة تحقق هذا الهدف.
في كل الأحوال لا تشكل هذه الخطوة الاستقلالية مفاجأة لمن يتابع مسيرة العلاقات بين الحليفين على جانبي الأطلسي. أصبح هذا التوجّه الأوروبي متوقعاً بل حتمياً على ضوء تنامي نفوذ ألمانيا وسعيها لدور قيادي عالمي وإقليمي، يؤازرها نزوع فرنسي تقليدي للاستقلالية، وهو ما خلق أرضية مناسبة للتعاون بين البلدين. وجاء قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي ليدعم هذا الاتجاه، ويزيل عقبة كؤود كانت تحبط أي محاولة للابتعاد عن الولايات المتحدة.
العامل الآخر الذي لعب دوراً حاسماً في تشجيع الأوروبيين على تطوير قدراتهم الدفاعية الذاتية هو انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإصراره على اتباع سياسات تجسد شعاره «أمريكا أولاً». لم يخف الأوروبيون، قط، قلقهم من توجهات ترامب. وقد خرج الخلاف الصامت بين الجانبين إلى العلن في الصيف الماضي خلال قمتي «الناتو» ومجموعة السبع. في المناسبتين انتقد ترامب البخل الأوروبي في المساهمة في تمويل «الناتو»، وطالب القارة بدفع ما يجب أن تدفع لقاء حمايتها. كما هاجم ألمانيا وهدّد بوقف صادراتها من السيارات لبلاده.
الألمان من جانبهم كانوا أكثر حدّة، وأعلنت المستشارة أنجيلا ميركل أن وقت الاعتماد الأوروبي على الغير أي بريطانيا وأمريكا للدفاع عن القارة قد ولّى، وأنه حان وقت الاعتماد على الذات.
وتثبت المنظومة الدفاعية الجديدة، أن ميركل كانت بالفعل تعني ما تقول. وقياساً على هذا يمكن استنتاج باقي مراحل الخطة الأوروبية من تصريح وزيرة الدفاع الألمانية التي قالت قبل أيام إن الاتفاق الأخير هو البداية لإنشاء الجيش الأوروبي. ومن الواضح أن هذا هو الهدف الألماني النهائي، ولا يبدو أن هناك ما يحول دون تحقيقه.

assemka15@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى