قضايا ودراسات

إزاحة هادئة لرئيس تاريخي

محمود الريماوي

يعتبر روبرت موجابي (93 عاماً) من الزعماء الأفارقة التاريخيين الذين تمتعوا لعقود طويلة بتقدير بارز ومكانة مرموقة لدى شعبه كما لدى شعوب العالم الثالث وحركات التحرر. فقد قارع الرجل الاستعمار البريطاني ثم الحكم العنصري الذي كان يحكم بلاده (روديسيا الجنوبية التي تحول اسمها إلى زيمبابوي عقب الاستقلال عام 1980) واعتقل في سجون المستعمر لعشر سنوات.. وقد لمع نجمه واسمه منذ ذلك الحين حيث شغل منصب رئيس الوزراء لسبع سنوات، ثم تقلد سدة الرئاسة منذ العام 1987 وظل يكسب الانتخابات لسبع دورات متتالية.
ومثل غيره من أغلب القادة التاريخيين فقد انتقل موجابي من بطل وطني إلى رئيس للدولة ثم من زعيم شعبي إلى زعيم شعبوي ذي نزعة ديكتاتورية، يدغدغ عواطف الجماهير بمناسبة ومن غير مناسبة بالخطابات الحماسية ضد «الرأسمالية والاستعمار». وكان من المقدر له أن يبقى على رأس السلطة ما دام حياً، فيما زوجته جريس موجابي تتأهب من موقعها كنائبة للرئيس لتقلد السلطة بعد أن تمت إزاحة نائب الرئيس إيمرسون منانغاغوا قبل أربع سنوات وحلت جريس محله.
وقد جاء تحرك الجيش في هراري (العاصمة) قبل أيام، في محاولة لكسر الحلقة التي أحكم موجابي إغلاقها. ومن المثير للتأمل أن الجيش لم يعمد إلى سفك الدماء، ولم يقدم على إيذاء الرئيس أو حتى الإساءة إليه، حيث تم الاكتفاء بالقول إن التحرك العسكري يستهدف بطانة الرئيس. وهي التفافة ذكية من قيادة الجيش تبث رسالة مضمونها أن موجابي لا يحسن اختيار الفئة العليا في دوائر الحكم، وأنه بالتالي لا يصلح لإدارة الحكم. وموجابي نفسه لا ينقصه الذكاء فقد قال إن الحزب الحاكم ( زانو) هو من يستطيع إقصاءه. وكما هي العادة في دول العالم الثالث الاستبدادية فإن المستويات الحزبية العليا تتحالف مع المستوى العسكري. وهكذا أقدم الحزب مدفوعاً بتأييده للجيش على إقصاء الرجل يوم 17 نوفمبر الجاري، ما أفقده أي غطاء شرعي.
وكان الاتحاد الإفريقي قد أعلن مع تحرك الجيش أنه يرفض مبدأ تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية، وما كان من قادة الجيش إلا أن قالوا بأن ما قاموا به هو مجرد تحرك، وقد لجأوا إلى الحزب الحاكم كي يقول كلمته، وقد قالها لغير مصلحة موجابي الذي بلغ به الاعتداد بنفسه وبزعامته أن قال خلال انتخابات عام 2008 إن الله وحده هو من يمكنه إزاحته عن السلطة. وقد أدت الحملة على المعارضة آنذاك إلى سقوط الآلاف من الضحايا، وذلك عقاباً للشعب (14 مليون نسمة) على محاولته الاحتكام للآليات الديمقراطية، وكذلك لضيق الناس من التدهور المريع في أوضاع البلاد خاصة مع الإغلاق المتتابع للمستشفيات والمراكز الصحية، ولتدهور الوضع الصحي حيث يعتبر معدل الأعمار في هذا البلد وهو 44 عاماً من أقل المعدلات في العالم.
وبينما يفاخر الرجل بأنه سن قانون الإصلاح الزراعي وصادر مساحات كبيرة من الأراضي كانت بحوزة المستعمرين المستوطنين، فإن خصومه يساجلون بأن هذه الأراضي قد ذهبت إلى بطانة الحكم وليس إلى الفقراء.
ويُحسب لتحرك الجيش أنه اتسم بحقن الدماء، ولم يلجأ إلى العنف في تحركه هذا، حتى ولا إلى تحشيد الناس وإلهاب مشاعرهم، وأن الجيش فوق ذلك احترم مشاعر من يؤيدون الزعيم الأوحد، كما احترم تاريخه الوطني وشيخوخته، وهي تقاليد قلما يجري اتباعها في دول العالم النامية، ولدرجة أن أخبار التحرك العسكري لم تحظ بتغطية إعلامية واسعة، إذ إنها لم تقترن بأية إثارة عنفية أو دموية تجذب إليها مُعدّي الأخبار! وهو ما جعل أيضاً العديد من التقارير الإعلامية تتحدث عن كون قادة التحرك العسكريين قد أبدوا احترامهم لزعيم البلاد فيما هم ينقلبون عليه.
يُشار هنا إلى أن زيمبابوي عانت من الحكم العنصري منذ عام 1965 حين أعلن إيان سميث المستوطن البريطاني استقلال روديسيا (الاسم السابق للبلاد) عن الحكم البريطاني وحاول ضم دولته إلى دول الكومنولث البريطاني، لكن دون أن تنال الدولة المستقلة المزعومة اعترافاً يذكر بها. وهي خطوة على شبه كبير بالادعاءات الصهيونية عن استقلال مزعوم للدولة العبرية عام 1948 عن الانتداب البريطاني الذي كان يحكم فلسطين. وقد كان أبناء ذلك البلد الافريقي أوفر حظاً من الفلسطينيين إذ واصلوا كفاحهم ضد حكم سميث الذي بدأوه ضد الاستعمار، وفي تلك الفترة تم اعتقال موجابي مع مناضلين آخرين لعقد كامل من السنوات. غير أن الرجل وبعد أن آلت اليه والى حزبه مقاليد الحكم، اعتقد مثل غيره من زعماء وطنيين في العالم الثالث، أن من حقه التمتع بالحكم إلى الأبد، وباستخدام آلية انتخابية وحزبية مفصلة على قياس طموحاته، ومع شيطنة دائمة للمعارضين باعتبارهم «أعواناً للاستعمار».

mdrimawi@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى