قضايا ودراسات

ميركل وقابلية الهزيمة

مفتاح شعيب

تواجه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، مهمة صعبة لتشكل حكومتها الجديدة، وتجنب الوقوع في أزمة سياسية لن تكون تداعياتها في مصلحة أكبر اقتصاد أوروبي. وربما يكتب فشل المهمة مقدمة نهاية المستقبل السياسي لميركل التي تتسيد المشهد الألماني منذ 2005، وما زالت ترى ألا أحد بمقدوره أن ينازعها في منصب المستشارية، إلا إذا اضطرت، مكرهة، على خوض انتخابات مبكرة، فحينها يمكن لنجمها أن يخبو بصورة درامية.
فمنذ نحو شهرين أجريت الانتخابات التشريعية الألمانية، وأفرزت مفاجأة غير متوقعة بتقدم الحزب اليميني المتشدد «البديل لألمانيا»، ليحتل المرتبة الثالثة في البرلمان. وبحكم برنامجه ورؤيته فقد أصبح هو المعارض الفعلي للسياسة الألمانية، كما أثار فوزه غضب أغلبية الرأي العام، فضلاً عن أنه بات عقبة في طريق تشكيل الحكومة، لا سيما بعد أن قرر الحزب الاشتراكي الديمقراطي فك التحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بعد نتائجه الهزيلة في الانتخابات الأخيرة. ولكن هذا الحزب يمكن أن يتراجع عن موقفه في مفاوضات الفرصة الأخيرة، يما يفتح الباب لبناء ائتلاف رباعي الأحزاب يضمن أغلبية مريحة. ولذلك تحركت ميركل باتجاه الأحزاب الأصغر والأقل حجماً في البرلمان، وكان من الخيارات المحدودة التفاوض مع «الحزب الديمقراطي الحر» الليبرالي، و«حزب الخضر» اليساري، وهو ائتلاف إذا تم سيشكل «تحالف المُكرهين» بسبب التباين الشديد بين الأحزاب الثلاثة، أو الأربعة، خصوصاً بشأن الهجرة، والبيئة، والعلاقات داخل الاتحاد الأوروبي. وإذا كانت قضية المهاجرين هي محرك الانتخابات، وهي التي أدخلت اليمين المتطرف ممثلاً في «البديل» إلى البرلمان للمرة الأولى من نهاية الحرب العالمية الثانية، مازالت هذه القضية هي مثار الخلاف الشديد في مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي، فبينما يدافع حزب ميركل عن السياسات السابقة التي أدت إلى استضافة أكثر من مليون لاجئ، يطالب حزب «الخضر» باستضافة المزيد منهم، خصوصاً عائلات المهاجرين المقيمين مسبقاً في ألمانيا.
المهمة الأصعب لإنقاذ ميركل من الخسارة، وألمانيا من أزمة سياسة حادة، تتمثل في التوصل إلى أرضية مشتركة بين الأحزاب في القضايا الخلافية. أما إذا لم تتوفق هذه الأحزاب، فسيكون الخيار المتبقي هو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وتظل ميركل رئيسة لحكومة تصريف الأعمال. والانتخابات المبكرة في هذا الظرف ستكون عبئاً كبيراً، وستكون أكبر نتائجها، على الأرجح، فقدان ميركل سطوتها الممتدة منذ أكثر من 12 عاماً، فتتذوق طعم الخسارة، وهي التي وصفت يوماً أنها «غير قابلة للهزيمة». كما أن الانتخابات المفترضة لن تكون محل ترحاب من الرأي العام الألماني، والأوروبي أيضاً. ففي برلين هناك خشية من أن يعزز اليمين المتطرف مواقعه، ويفرض نفسه على الجميع قوة سياسية تجيء بإرادة الناخبين. فحزب «البديل» العنصري سيكون المستفيد الأكبر من فشل ميركل في تشكيل ائتلاف حكومي. ويجب ألا يغيب عن الأذهان، أن اليمين المتطرف إذا جرت الرياح بما يشتهي فسيحمل بتقدمه أزمة أكثر مما يحمل من انفراج. إذ من المستحيل أن يحقق نتائج باهرة، كما من الصعب أن يتصدر البرلمان بعدد المقاعد. وبحكم الدستور الألماني القائم على النسبية، فلن يجد اليمين المتطرف أي شريك سياسي إذا فاز، وهنا أزمة أخرى، وربما خشية من وقوعها ستنقذ ميركل نفسها وألمانيا من هذا المصير.

chouaibmeftah@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى