قضايا ودراسات

سدّ أبواب «سدّ النهضة»

عبد اللطيف الزبيدي

كيف فات مرسل عبارة «اللعب بالنار» أن اللعب بالماء أخطر؟ اللعب بالماء لعب بالحياة. المثل القائل: «كمن يطلب من الماء جذوة نار»، يبدو ساذجاً «على نيّاته»، فالتوربينات التي تولّد الكهرباء، هي الأخرى براءة الأطفال في عيونها، لأن انصهار ذرات الهيدروجين الشريكة في عذوبة الماء، يستطيع أن يعطينا صورة مجهرية عن الانفجار العظيم لحظة ميلاد الكون. الأوكسجين أيضاً نار. اللعب بالماء إذا لعب بنارين.
أغلب الظن أن «سد النهضة» الإثيوبيّ، ما كان ليصبح حقل أشواك في الذهن العربيّ، لو لم تكن «إسرائيل» إحدى بكتيريا فكرة بنائه، للإمساك بخناق النيل، الذي هو علّة كيان «هبة النيل»، مصر. الصورة اللغوية على ما يبدو لم تكن غائبة عن الشحن الصهيونيّ قبل إنشاء السدّ وبعده، فعندما يُخنق الشخص وينقطع الأوكسجين عن الدماغ، يتدرج لون الوجه من الاحمرار إلى الازرقاق، يصير كأنه محترق، وكلمة إثيوبيا باليونانية تعني بالضبط: «الوجه المحروق». مفردة حبشة، هي في الأمهرية السامية «حبشت» تعني اختلاط الناس واجتماعهم، وهو المعنى نفسه الذي نجده في الجذر الثلاثيّ العربيّ الأصليّ «حبش»، الذي يدل على الجمع والحشد والاختلاط، ومثله «هبش». والحبْش والتحبيش واضحان في اجتماع المخططات التي حُبكت وحيكت لتدفق ماء الحياة نحو أرض الكنانة، من قبل المساعدات السخية الأمريكية «الإسرائيلية» لإثيوبيا، لتقيم السد الذي يسد أبواب النهضة في وجه مصر. القضية تتجاوز اللعب بناري الهيدروجين والأوكسجين، فثمة ناران أخريان، هما تقليص حصة مصر، واحتمال انقطاع فائض حصّة السودان كليّاً أو جزئيّاً الذي كان يقدمه لمصر من حصته. الرقم مليارات من الأمتار المكعبة، بين خمسة وسبعة تقريباً. خير ما نتمناه هو ألا تكون دولتا مصر والسودان قد أهملتا التحسب المحسوب بدقة للعواقب الوخيمة المجهولة. لا أحد يشك في أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت حسن ظن بحادثات الليالي على صعيد الأمن القوميّ العربيّ، إذ انخفض منسوب نهر استشراف المستقبل، بالرغم من البحوث والدراسات التي لا تحصى، منذرة بأن حروب الآتي ستكون صراعاً على الماء، الذي منه كل شيء حيّ.
الغريب في العقل العربيّ هو إهماله التنمية الشاملة عقوداً طويلة، وحين عاد نسبيّاً إلى الوعي، صحا على أن العيون الاستراتيجية المعادية استغلت غفوته المديدة بألف طريقة لبناء ألوان من الموانع التي تحول دون نهضته، في سبيل تحويل طاقاته الحيوية إلى طواحين هواء.
لزوم ما يلزم: النتيجة الجناسية: تقليص مياه النيل، يراد به النّيْل من حياة العرب.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى