قضايا ودراسات

شهرة ذات حدين

خيري منصور

حين قال العرب «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه»، ثم أضاف أحد حكمائهم «إن خامل الذكر خير من صاحب الذكر الذميم». كانوا يضعون نقاطاً على الحروف، ويفرقون بين شهرة وأخرى، مما يجزم بأن المشاهير غير متجانسين على الإطلاق، ومنهم الخير الفاضل والشرير الراذل. وهناك في عالمنا المعاصر مشاهير من القتلة الساديين، ومن الجواسيس أيضاً مقابل مشاهير من المبدعين والمبادرين.
وقد يبدو طريفاً ربط الشهرة بالاقتصاد، خصوصاً بعد صدور كتاب في أمريكا بعنوان «اقتصاديات الشهرة»، خلاصته أن الشهرة تتحول بمرور الوقت والإلحاح الإعلامي والتكرار إلى رأس مال أو قوة إضافية يمكن توظيفها في السوق.
وأحياناً تتحول سلعة معينة من خلال الإعلانات المصورة إلى اسم يمكن استخدامه أو استثماره بعيداً عن قيمته الفعلية.
وفي الدراسات الحديثة أصبح الاقتصاد يطل برأسه بين السطور حتى لو كان موضوع البحث هو الثقافة والمعرفة على نحو أشمل.
وهناك علاقة جدلية بين تجار الورق ومافياته وأدوات الفنون كالرسم والموسيقا والنحت وبين الإبداع، الذي لم يعد في عصرنا مجرد كتابة مخطوط أو رسم بقلم رصاص أو بالفحم. وقد يحتاج رسام موهوب إلى أدوات يعجز عن شرائها، وكذلك الموسيقي والنحات. وقد سمعنا ذات يوم من فنان عربي حكاية طريفة عن شابين من هواة الموسيقا طرقا بابه للحصول منه على ثمن آلتين موسيقيتين، وانتهى الأمر بهما إلى أن أحدهما أصبح من أشهر الموسيقيين العرب بينما تراكم الغبار على آلة الآخر المهملة فوق إحدى خزائن المنزل، لأنه انصرف إلى مهنة أخرى.
فالآلة لا تعزف وحدها، بل تستجيب للأصابع التي تستخدمها.
وما من قلم مهما بلغت قيمته حتى لو كان قلم هنري الثامن يكتب بمفرده، وأخيراً ما من زناد سلاح يتفوق على زناد آخر بمعزل عن الإصبع الذي يضغط عليه، والناي بيد من لا يستطيع العزف عليه مجرد عصا مجوفة!
إن الشهرة بحد ذاتها ليست امتيازاً ، وأحياناً تكون كشهرة المعيدي!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى