قضايا ودراسات

«خلطة» بابلو نيرودا

يوسف أبولوز

في «النشيد الشامل» لبابلو نيرودا تطالع ما يشبه التوثيق الشعري للطيور: ريشها، غناؤها، ألوانها ومواطنها في تشيلي وفي أمريكا اللاتينية والاستوائية.. ومن طيور نيرودا: «اللويكا».. عصفور يشبه الزرزور، و«تشينفولو» ويشبه السنونو، ويتحدث نيرودا عن طائر اسمه: «أبو لهب» Flamenco.. أي «الفلامنكو».. طائر طويل الساقين وردي اللون، وثمة طائر اسمه: «القرقب أو القرقف»:.. لونه رمادي كما جاء في وصفه في النشيد الشامل، يألف الأشجار ويغرد طول النهار.
نشيد بابلو نيرودا الشامل ليس توثيقياً أو حتى تاريخاً للطيور فقط في تشيلي أو في بلدان الكاريبي اللاتيني، بل نشيده أيضاً توثيق وتاريخ وتصوير للكثير من الأشجار والنباتات مثلاً: الجاكاراندا «نبتة أمريكية ذات أزهار زرقاء» كما جاء في هوامش النشيد، وبالمناسبة، فهذه الهوامش التي ترد في الكتاب «ترجمة صالح علماني» هي في حد ذاتها بستان من المعلومات المقتضبة السريعة، ولكنها الغنية بنوع من الشعرية العذبة التي تعود بالطبع إلى الكائنات الحية من طيور وحيوانات وفراشات.. كائنات مغنية وأخرى موسيقية، وثالثة ملونة.
مثلاً.. يصل طول شجرة «الأروكاريا» وموطنها تشيلي إلى خمسين متراً في بعض الأحيان، ومن أشجار المناطق الاستوائية «الكوبال» وفي الجوار أشجار أخرى: الكوروباي، والناثاريت.
لا يشتغل بابلو نيرودا في نشيده الشامل على ما يشبه المعجم أو «الموسوعة» للنباتات والأعشاب والأزهار فقط، بل يشير إلى بعض المعلومات المهمة مثل إشارته إلى مفردة «كريوللي»، وهي تسمية تطلق على من يولد في أمريكا لأبوين أوروبيين = لاحظ، إذا أردت نوعاً من العنصرية في هذه التسمية = والنشيد أيضاً كما يتضمن التعريف ببعض المفاهيم والمصطلحات السياسية والاجتماعية يتضمن أيضاً صفاً طويلاً من أسماء قادة وزعماء مؤثرين في التاريخ الحديث: مثلاً. البطل الوطني البرازيلي لويس كارلوس برستيس، وأبراهام لينكولن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1860، ومانويل استرادا كابريدا الديكتاتور السياسي الذي حكم جواتيمالا من عام 1898 وحتى 1920.
هل تحدثنا كلمة واحدة عن قصائد «النشيد الشامل»؟.. لا.. لأن الشعر في هذه الحالة يتحول إلى تاريخ وتوثيق ووصف وقراءة للنبات والإنسان والطير والحيوان.. الشعر في حالة «النشيد الشامل» أو في حالة بابلو نيرودا في النشيد الشامل يتحول إلى رواية تسرد الكائنات والأشياء. الشعر يتحول إلى «معلومة» وإلى شروحات وتعريفات لكن ضمن «خلطة» نسيجية جمالية شديدة الرهافة واللمعان والنور المنبثق من حياة الطير والشجرة والكائن البشري.
قلة من يجيدون هذه «الخلطة».. أحدهم أستاذ «الطبخ».. بابلو نيرودا.. على نار أقل من هادئة.

y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى