قضايا ودراسات

الشهيد سالم سهيل

عبدالله محمد السبب

هنالك، حيث «المنيعي»، حيث تلك القرية المنيعة بِأُناسِها وأُنْسِها، والكائنة بتاريخها العتيق العريق، العائد إلى ستة قرون في إمارة رأس الخيمة.. هنالك، حيث تلك القرية الزراعية الرابضة في أحضان جبال مطرزة بأودية وأغذية خضراء، وفي رحاب عائلة يدير دفتها سهيل بن خميس الدهماني، بصحبة رفيقة مسيرته فاطمة بنت هلال، وفي معيتهما عبدالله، خلفان، علياء، علي، حارب، نصيب، وحيث العام 1955م.. وُلِدَ سالم، آخر عنقود تلك الأسرة المنيعية الدهمانية الممسكة بدينها وعاداتها وتقاليدها ووطنيتها المتوارثة أباً عن جَدٍّ.
ها هو سالم يكبر، ينمو، ويرنو إلى أفق بعيد.. لا يخالطه خمولٌ، ولا يكسره كسلٌ، ولا يعتري طريقه عارض.. فيبتدئ الذهاب إلى «المطوع» بعمر لا يتجاوز السنوات ال 6 من العمر، آخذاً منه عِلْماً ومعرفةً، وحافظاً على يديه قُرآناً كريماً عربياً وأحاديث نبوية شريفة.. ثم مواصلة الدرب التعليمي التحاقاً ب «مدرسة الحويلات» حتى حدود الصف الثالث، لتُغيّر الراحلة مسارها، وليسلك الطموح دروباً أخرى غير دروب المعرفة.. فها هو «سالم» يستبدل العمل بمسار العلم، ممتهناً عدَّة مهن متباينة في طبيعتها ومساراتها، ليسير به الأمر نحو الفرقة الموسيقية العسكرية في الشارقة، مما دبَّ في روحه حماساً ذهب به نحو مناخات عسكرية أخرى، منخرطاً في السلك الشُّرطيّ في رأس الخيمة اقتداءً بإخوته: حارب، علي، خلفان، ومتسلحاً بشبابه المتكئ على عمره ال 16 من الحياة المطلة على المستقبل المنتظر، وظافراً برقم عسكري مميز في شكله وتشكله: «190» = 1 + 9 + 0 = 10 = 1 + 0 = 1. ومن هناك، من حصن الشرطة في رأس الخيمة، وانطلاقاً من سلوك مهني سوي، وانضباط عسكري مثبت في سجل تاريخي، يقع عليه الاختيار انتداباً إلى «مركز طنب الكبرى»، مُديراً لدُفَّته في حقبة جديدة، بديلاً لرفيقه الذي اعتذر عن الذهاب إلى تلك الجزيرة التاريخية العربية، ليكون هنالك برفقة خمسة من العسكريين المعتد بهم: حنتوش، حسن علي محمد، محمد عبدالله عبيد، محمد علي صالح، علي محسن محمد.
تمضي الحياة، وتمضي السنون، وتستمر مسيرة الليل والنهار في تعاقبهما الزمني منذ ولادتهما، وحتى مثولهما في العام 1971م، حيث فجر الثلاثاء 30 نوفمبر، 12 شوال 1391 ه.. ففيما سالم سهيل ورفاقه الخمسة يتأهبون لممارسة تدريباتهم الصباحية اليومية، تسللت إلى الجزيرة أنفاسٌ فارسية شرسة.. فتلك مدمرات حربية تحوم حولها، وفي سمائها حلَّقت طائرات حربية، مُسْقِطةً منشورات تدعو إلى الاستسلام والإذعان إلى التعليمات الإيرانية.. إلا أن «سالم» أطلق صيحته البطولية: «لا حوار مع الغزاة، لن ينالوا من الجزيرة الوطن، لن تسقط رايتنا الخفاقة، وبدمنا نروي أرضنا الطيبة».. وعند ذاك، تبادل الطرفان إطلاق النار.. طرفٌ إيراني يحاول إسقاط العلم، وطرفٌ عربي يذود عنه.. ليكون سالم سهيل أول شهيدٍ إماراتي بنار معتدٍ غاشم، قبل يومين من إعلان كيان أممي جديد (دولة الإمارات العربية المتحدة)، في الثاني من ديسمبر من العام 1971م.

a_assabab@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى