قضايا ودراسات

المترجم الفردي العالمي

يوسف أبولوز

يتحول عمل بعض المترجمين العرب بمفرده إلى «ظاهرة».. لا تتصل فقط بالترجمة، بل تصبح أيضاً ظاهرة ثقافية، ومن هؤلاء السوري سامي الدروبي الذي تخصص في نقل دوستوفسكي إلى العربية، وتقول سيرته الأدبية أو الثقافية إنه ترجم كل أعمال صاحب الرواية الأشهر في الذاكرة العربية وهي «الجريمة والعقاب»، غير أن الدروبي الذي عرف العمل الديبلوماسي وزيراً وسفيراً لبلاده في عدد من البلدان الأوروبية ترجم أيضاً ليوتولستوي، وبوشكين، وميخائيل ليرمنتوف، أي أنه تخصص ، على شكل مشروع ثقافي ، في أبرز أعلام الأدب الروسي، غير أن الدروبي ترجم هذا الأدب الإنساني الرفيع من الفرنسية إلى العربية، ولم يترجمه مباشرة من الروسية، فكانت بذلك، اللغة الفرنسية لغة ترجمانية وسيطة، ومع ذلك، فهو أفضل من نقل دوستوفسكي إلى العربية رغم اللغة الفرنسية الوسيطة.
الترجمة في حالة الدروبي ظاهرة ومشروع قائم على فرد، لكن هذا الفرد يتمثل في «مؤسسة» وراءها عبقريته في لغته الأصل = العربية، التي حملت أدب «دوستوفسكي» كما هو في صفائه وإنسانيته و«عقده» أيضاً.
على النقيض من سامي الدروبي نتوقف عند الفلسطيني صالح علماني «مواليد حمص 1949»، فهو درس الأدب الإسباني، ويترجم مباشرة من الإسبانية إلى العربية بلا حاجة إلى لغة وسيطة، ومن هنا تظهر قوة ترجمات هذا الرجل الذي أمضى ثلاثة عقود في هذا الحقل الأدبي اللاتيني، ويعود إليه الفضل في قراءاتنا الروائية لكتّاب كبار: ماركيز، ماريو فارغاس يوسا، إيزابيل الليندي، ساراماغو، ميغل انخل استورياس لوركا، بابلو نيرودا، إدواردو ميندونا، وغيرهم.
وبعض هؤلاء الكتّاب ترجم لهم صالح علماني أربع أو خمس روايات وأكثر مباشرة إلى العربية من الإسبانية.. أي أنه مثل سامي الدروبي.. هو ظاهرة ومشروع ثقافي قائم على فرد، وتشعر أن وراء هذه الظاهرة وهذا المشروع مسؤولية أدبية نبيلة وروحاً إبداعية تطوف بالعالم وتحوّل اللغات إلى جسور حضارات وينابيع حرة للأدب والمعرفة.
بالطبع، هناك مترجمون عرب من مقامي الدروبي وعلماني.. كبار وحقيقيون.. خدموا الثقافة العربية كما خدموا الثقافات العالمية بإخلاص وأمانة وكبرياء أيضاً.. هي كبرياء المثقف الذي يشعر أن فرديته ليست ذاتية مغلقة، بل هي عالمية.. ولكن هؤلاء الكبار قليلون في زمن طفيليات ترجمانية سريعة «تجارية» بعضها مسلوق على الكمبيوتر.. وبعضها مرتبك ومنزوع القيمة الأدبية والثقافية.. خصوصاً مترجمي اللغات الوسائطية المتعددة.

y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى