قضايا ودراسات

الثورة الثقافية المضادة في الغرب

سومانترا مينترا*

توحي الأنباء الصادرة عن العالم الغربي في الآونة الأخيرة، والحافلة بفضائح التحرش الجنسي، والتصيّد، والاستقالات المرتبطة بذلك، بما يشبه الثورة الثقافية المضادة التي تعيد المجتمعات الغربية إلى التطهرية الفكتورية.
يشهد الغرب حالياً حدثاً بارزاً. ففي الأيام الأخيرة، كانت هنالك مطاردة وتصيّد في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في ما يتعلق بالتعدّيات الجنسية من قِبل شخصيات عامة بارزة. وقد بدأت بقطب هوليوود البارز، هارفي وينشتاين الذي افتُضح باعتباره متحرّشاً مواظباً، وحتى مغتصباً بدرجة ما.
وليست هوليوود بأي شكل من الأشكال، موئلاً للراهبات والرهبان، ودائماً ما يكون هنالك وجهان للقصة الواحدة. ومع ذلك، فإن حكايات الفجور التي ظهرت أثناء نشر تفاصيل ملحمة وينشتاين الزاخرة، مثيرة للاشمئزاز الشديد، حتى بالنسبة إلى صناعة مشهورة بالترهل الأخلاقي. ولكنّ أمراً غريباً بدأ بعد ذلك.
ففي الولايات المتحدة، افتُضحت شخصيات عامة، واحدة بعد الأخرى، من شركات رائدة، ومدوّنات، وصناعات تكنولوجية، ودور إعلام، بسلسلة من الادعاءات. وواجهت شخصيات مهمة وقوية اتهامات بعضها خطر، وبعضها مثير للضحك، وجميعها تقريباً غير مُثْبَتة، وأدت إلى بدء حملة من التصيّد.
وامتدّ ذلك إلى المملكة المتحدة مع بعض المدوّنين والمتعاطفين الذكور مع النساء. وكان اثنان منهم كاتبيْ عمود صحفي في صحف وطنية. ثم تعمّق الأمر أكثر، حيث عَلِق برلمانيون بين النيران المتبادلة. وهنالك في ما يبدو، قائمة من أعضاء البرلمان المحافظين، الذين هُم منحرفون، و«ميّالون إلى اللمس بالأيدي» على نحو ملحوظ. ويواجه حزب العمال اتهامات حتى أكثر خطورة، مع ادعاءات اغتصاب جرى التستر عليها. وقد استقال بالفعل وزير الدفاع الذي ينتمي إلى حزب المحافظين الحاكم، السير مايكل فالون، لأنه وضع يديْه على ركبة إحداهُنّ قبل نحو عقدين من الزمن.
وغنيّ عن القول إن ذلك أمر سخيف، ولكنه يوفر لمحة خلابة عن ثورة ثقافية مضادة تجري حاليّاً في الغرب، ولا سيّما للشخص المنحدر من خلفية أجنبية، ومجتمع محافظ نسبيّاً. وفي نظر أي شخص يعيش، أو يعمل في الغرب، يُعتبر ذلك حركة تطهرية جديدة ملحوظة، تجتاح الغرب. والأعراف الاجتماعية المفقودة التي كان يمكن التعرف إليها منذ ستينات القرن الماضي، تتخذ انعطافة محافظة معاكسة، والنتيجة هي هذه الهستيريا الفكتورية الجديدة.
لنتأمّلْ ما يلي: في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، يجري تدريس طلاب الصف العاشر عن الموافقة (على المعاشرة
) التي تنصّ، في ما يبدو، على وجوب تجديد الموافقة اللفظية باستمرار، وإلاّ فسوف يشكل الأمر اغتصاباً. وفي المملكة المتحدة، الأمر حتى أسوأ من ذلك. فكل شيء، من واقعة الاغتصاب الفعلي، إلى تبادل القيل والقال، على هامش ساعات العمل، يُعامَل الآن في تعبير ملطف، معاملة التحرش .
ونتيجة لذلك، باتت القواعد التي تحكم الأمر اعتباطية، واضطربت الخطوط التي تبين حدود السلوك المسموح به، إلى درجة عدم تمييزه. وأسفر ذلك أيضاً عن ثقافة شبيهة بثقافة الوصيفة المصاحِبة (التي كانت ترافق الفتاة الصغيرة في الحفلات لحمايتها من السلوك غير المناسب)، حيث تم فرض قيود على التعاملات المتبادلة بين الجنسين.
إن الغرب مهووس بالجنس، وهذا مُثْبتٌ تجريبياً. وليس بالخطأ بطبيعة الحال، بل هو سخيف، وحسب. فقد أصبح تلفزيون العلوم في الولايات المتحدة، لا يعرض إلاّ الحديث عن حقوق المتحوّلين جنسياً. وصارت عروض التلفزيون التاريخي في بريطانيا تركز على العلاقات الشخصية، بدلاً من التاريخ الفعلي. وقد شاهدتُ ثلاثة مسلسلات تلفزيونية، من بينها واحد عن الملكة فكتوريا، وواحد عن مؤامرة ملح البارود، وواحد عن سنوات احتضار الإمبراطورية في عدن، وكل ما تركز عليه، هو مَن قبَّلَ مَنْ على الشاشة.
قارنْ الأفلام السينمائية من أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، مع الأفلام الآن، وسوف تلمس الفرق. لقد تحوّل السرد من القصة، إلى الدراما الشخصية. وينطبق الأمر ذاته على الكتب، والعروض التلفزيونية، والحياة. واتخذت الثورة الثقافية، التي بدأت في ستينات القرن الماضي، ضدّ حياة المجتمع المحلي المؤسسة على العائلة المحافظة، انعطافاً فردياً، في العقود الخمسة اللاحقة.
وممّا لا يثير الدهشة، أن ذلك أيضاً اشتمل على مفارقة في ذاته. فالحرية شيء غريب، لأنها تنطوي على تناقض كبير بفطرتها. ماذا لو تضاربَت حرية الشخص مع حرية شخص آخر؟ وماذا لو كانت الحرية الفردية تهدم لَبنات بناءِ المجتمع ككل؟ أين الحدود، ومَن يقرِّرها؟
لنأخذْ مثال الطلاب الأجانب. قد يكون السبب في أن الطلاب الهنود والصينيين يبلون بلاءً حسناً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، راجعاً إلى أسباب بيولوجية، وإلى نسبة الذكاء، التي لا أعرفها، ولا أستطيع التعليق عليها، لأنها ليست في مجال خبرتي. ولكنه راجع أيضاً إلى أسباب ثقافية، بما في ذلك ما اعتدنا معرفته باعتباره الميْل الأنجلو ساكسوني المحافظ إلى العمل الدؤوب، الذي تتسم به العائلات المستقرة المكونة من والديْن، والدراسة الجادة وروح التنافس التي لا تتأثر بالمشاعر.
وذكرت عالمة الاجتماع (الأمريكية) كاميلي باجليا ذات مرة، أنه بالنظر من مسافة تاريخية، تبلغ كل حضارة نقطة تبدو فيها مثل روما القديمة. ويصبح المجتمع عقيماً، وخاضعاً لهاجس الغريزة . ويمكن أن يكون هنالك اثنان فقط، من ردود الفعل على ذلك. إمّا أن تنشأ فلسفة محافظة تأخذ بزمام المجتمع نحو اتجاه أكثر تطهّراً، وإمّا أن تتم السيطرة على المجتمع من قبل قوات أكثر عسكرية من الخارج.
وليس من الواضح حتى الآن الاتجاه الذي نمضي فيه هنا، ولكن من شبه المؤكد، أن الانعطاف الفرداني للمجتمع الغربي، يتراجع باتجاه مزيد من التطهرية الفكتورية. ومن السابق لأوانه الفصل في ما إذا كان ذلك جيداً أم سيئاً.

*باحث دكتوراه في جامعة نوتنهام، بريطانيا – موقع: تشاينا دوت أورج


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى