غير مصنفة

صورة.. وصورة

نور المحمود

الصورة تحكي قصصاً، واقعاً، تاريخاً.. وتحكي أيضاً «كذباً». بلغة العصر الحالي، لم تعد الصورة بريئة وصادقة دائماً. ازدادت إبهاراً مع تطورات التقنيات، لكنها فقدت شيئاً من براءتها، فأصبحت مصدر شك تدعوك لتأملها لتتأكد من صدقها، قبل أن تتأملها لتغرق في حكاياتها وتفاصيلها الإنسانية والجمالية.
في معرض «إكسبوجر» الثاني المقام حالياً في «إكسبو الشارقة»، تمر أمامك تجارب 32 مصوراً من أنحاء العالم، تكتشف من خلالها عالماً آخر من الجمال والإحساس والفن الراقي. وخلف الجمال، يأتيك جرس إنذار ينبهك إلى أن موضة جراحات التجميل طالت عالم التصوير أيضاً، فدخلت اللقطات غرفة عمليات «الفوتوشوب»، لتخرج بمشهد مختلف، يخفي حقائق وعيوباً، ويطوي أكاذيب قد تعجز عن اكتشافها بسهولة. المصور المحترف، خصوصاً إن كان صحفياً، يقدم لك الفرق بين من يقضي عمره مجازفاً بحياته من أجل «لقطة» ومشهد يلتقطه بكل الحب والجهد والتعب والتضحية، و«سارق» يجلس في غرفته يأخذ من هنا وهناك لقطات تعجبه، ويضيف إليها بعض البهارات وينشرها باسمه. لذا، لا تصدق كل ما تراه عينك، ولا تنقل كل صورة وتروّج لها قبل أن تتأكد من مصدرها.
كنا نعتبر الكاميرا عيننا البعيدة التي تلتقط الحدث أينما كان، وتنقله إلى العالم كله في صورة تحمل الكثير من المشاعر والمعاني، تنطق أكثر مما تخفي، وكأنها «العين المجردة». كان ذلك قبل أن يصل «الفوتوشوب»، وقبل أن تسهّل عليه مواقع التواصل الاجتماعي عملية الترويج السريع لصوره المفبركة، وتصير الصورة كذبة جميلة.
الصورة لغة، قصة مروية بصمت، لا بل إن صورة واحدة قادرة على النطق والتعبير عن حالة إنسانية ما، أكثر من ألف كلمة، شرط أن يكون خلف الكاميرا يد وعين ترى وتنقل المشهد بحب وإخلاص. والفرق كبير بين الفنان الحقيقي الساعي خلف «اللحظة المناسبة» لالتقاطها وتوثيقها، المغامر والمحارب من أجل حمل رسالة صادقة وكشف الحقائق أمام العالم، وجالس في الظلمة يفبرك ويضلل. ولا نعني طبعاً من يستخدم تقنية الفوتوشوب من أجل تطويع الصورة الحقيقية لتنقيتها من الشوائب فتصير صالحة للنشر.
الماضي كان أسهل رغم ضيق الأفق والتواصل والاتصال؟ نعم، لأنه كان عالماً غير مشوّش. مصدر الأخبار معروف، تتلقفه أنت من وكالة أنباء، يصلك عبر تلفزيون أو إذاعة، أو تقرأه في صحيفة، وكل تلك الوسائل الإعلامية معروفة ومحصورة. حتى «الأكاذيب» السياسية وتلك المتعلقة بالحروب خصوصاً الأرقام والبيانات الإحصائية، كانت مفبركة أحياناً، لكن الكذبة كانت سريعة الظهور إلى العلن. والماضي بصوره الأبيض والأسود كان يحمل ألوان الحياة الحقيقية، وكانت الكاميرا هي «العين المجردة» التي نصدقها، والتي نرى بعضاً منها في «إكسبوجر»، حيث حكايات كثيرة تمر في صور.

noorlmahmoud17@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى