غير مصنفة

عندما يصبح الخبر وجهات نظر

د. نسيم الخوري

تفتح البشرية عيونها منذ سنوات وتحدّق في بلاد العرب، حيث تتصدّر نزاعاتهم وحروبهم افتتاحيات الصحف والإذاعات والشاشات وموادها المتناثرة اللامنتهية في تآلفها وتناقضها. لا مبالغة في الإشارة إلى أنّ العين البشرية تنصبّ مثل حدقتي الصقر اليوم على لبنان واللبنانيين الراقصون بتشظّياتهم الحادة فوق شفرات السيوف منذ أسبوعين بعد استقالة رئيس حكومتهم سعد الحريري. هو الحدث الذي تجاوز شكله مضمونه لكنّه الشكل البرّاق الذي عكس الواقع والتوصيف المرّ لحفنة صغيرة متنوّعة من البشر مذهبياً وطائفياً وسياسياً أصابتهم المفاجأة بالصدمة وأخذتهم المجادلات وحفر الانقسامات وكشف الكثير من الأغطية، لكنّ الاجتماع أمسكهم ولم يجمعهم أو يقرّبهم من بعض.
لماذا؟
لأنّ فلسفة الانتظار كانت أكثر من ضرورة السلطة الرسمية التي أرّقها الفراغ، ولأن الحكمة في الانتظار ساندها خوفان كبيران:
1- الخوف الأول هو التلويح بأوان خروجهم من نعمة استقرارهم الثمين خلافاً لمحيطهم القريب الملتهب، معطوفاً على إحياء تاريخهم الدامي القريب، إذ لطالما اكتوت أجيالهم بالحروب والهجران والتهجير والجروح التي بدت وكأنّ الداء فيها لم تيبس بعد. كانوا روّاداً في فلش السجّاد الأحمر ل«حروب الآخرين على أرضهم» وفقاً لمعادلة المرحوم الصديق غسّان تويني مع أنّ لبنانهم صاحب حظوة ومقيم في عين العرب مثل عصفور جميل لا يفترض به الطيران أو الدخول في لعبة البواشق الخطرة إذ تحلّق في الفضاء.
2- الخوف الثاني اقتصادي وفساد ما بعده فساد لا طاقة لهم من تحمّل نتائجه، خصوصاً أنّ مدّخراتهم سبق وأكلتها لعبة الأسواق المصرفيّة وتأرجح أسعار العملات والذي حقّق ثروات هائلة، وخلط الطبقات الاجتماعية بين من كان تحت ومن كان فوق، إلى الحدود التي جعلتك تلمس بالعين المجرّدة حجم الفجوات الشاسعة بين الطبقة الحاكمة والشرائح الاجتماعية السابحة في بحور العوز التي تبدو وكأنّها تذوب في محيطات السوريين والفلسطينيين وغيرهم من جنسيات الأرض الواسعة.
هل لنا أن نضيف إلى محاضراتنا ودراساتنا في الجامعات في معاهد الإعلام نظرية إعلامية جديدة في مجال تبادلية الطوائف في صراعات الأحزاب؟
كان هناك أيضاً، «جيوش» جرّارة من الإعلاميات والإعلاميين الذين لا يغمضون عيونهم في رصد الأنفاس وحركات الأجساد وتقاسيم الوجوه والصور وحتّى القراءة في الأفكار والنيّات ويوحون بقبضهم على الأسرار الدفينة المتناقضة التي تلفّ الرأي العام بالدخان والضياع والخوف والجنون وإدارة الظهر عن هذه الحمّى.
هل أجازف إن كتبت بأنّني شعرت بالأسى والأسف على أكثر من ثلاثة عقود استهلكتها أستاذاً محاضراً في ملاك كلية الإعلام ومديراً لها، وكأنّ لا قوانين في الإعلام ولا أخلاق إعلامية ولا حدود للتفكير ولا للقول أو الكتابة، وكأنّ صواعق المشاعية ضربت الأذهان والألسن والتقارير والتدفّق في نقل الوقائع وتحريفها وتكذيبها والتنافس بين الإعلاميات تحديداً إلى درجة يمكن رصد مكمن هذا التنافس بعدد الكلمات التي يعجز عنها الإنسان الطبيعي، بل يمكن للإعلامية من رشق المشاهدين بألف كلمة في الدقيقة الواحدة.
ما هذا التدفق المعيب والتكرار الغريب عبر هواء الشاشات المفتوحة حتى الثمالة؟.. إلى حدود وقوعهم في مرضين:
مرض النجومية بسبب التقرّب من رموز السلطة ومجالستها وتذوّق حلاواتها إلى درجة جذب العيون والانتباهات ولعب أدوار واتّخاذ مواقف خالية من أية مسؤولية. ويقوى هذا المرض بفتون المسؤولين الظاهر أحياناً بقوة الإعلاميين وبراعتهم للإحاقة بالرأي العام.
مرض التنجيم لا بمعناه المعروف الذي اجتاح العديد من الشاشات والعقول فقط، لكن بمعنى الاجتهاد والتذاكي في كشف المضمر والباطن ورمي أكوام الأفكار والآراء المضللة فوق الأرصفة والساحات، ومطّ الأعناق والتحليلات إلى مستويات عالية وخطرة تتجاوز فوق الأخلاق والآداب والحقائق والأصول وتقفز أمام أصحاب القرار أو بما يطمس الحدث وأسبابه وتداعياته وصوابه أو أخطائه.
صحيح أنّ البشرية منقادة إلى ثالوث يطبعها هو المال والديمقراطية والاقتصاد الحر وفوقها انفجارات تكنولوجيا علوم الإعلام بصيغة الجمع لأنّها ظاهرة عامة تطاول حركة الدنيا، وصحيح أن الخبر الذي نكتبه بالإنجليزية NEWS يحمل بذرة العولمة التي تصل بصداها إلى جهات الأرض الأربعة: ال N تعني جهة الشمال North وال E تعني الشرق East والW تعني الغرب West وال S تعني الجنوب south، ويمكن تذكّر صحّة أن بريطانيا كانت من حيث سلطاتها تسمّى البلاد التي لا تغرب عنها الشمس، لكن عندما يتحوّل إعلامنا إلى اعتبار الخبر وجهة نظر فتلك هي الكارثة الثقافية/ الوطنية التي ينخرط فيها الجميع فتضيع المفاهيم وتتفرّق الطوائف والمذاهب، وتتقاتل الأوطان من دون بلوغ درر المعاني مثل العدالة والحرية والمساواة والتطور وأساليب المعرفة الحضارية.

drnassim@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى