غير مصنفة

الأرض منزلنا الوحيد

د. عصام نعمان

قد يبدو غريباً أن يهتم مثقف وكاتب وإعلامي وحتى سياسي بالأرض والطبيعة والبيئة في وقت تعصف ببلاد العرب شتى أنواع الحروب والكوارث والمآسي. لكن الغرابة تبدّد عندما يقع المرء على الوقائع والحقائق والمعلومات والإحصائيات التي تكشف المخاطر والتهديدات والتحديات التي تواجه كوكبنا الأرضي نتيجةَ إمعان الإنسان في ظلم توأمه: الطبيعة.
خمسة عشر ألف عالم وباحث منتمون إلى 184 دولة وبلد وإلى مختلف الاختصاصات العلمية أطلقوا قبل أسبوع في مناسبة انعقاد المؤتمر العالمي الثالث والعشرين للمناخ في مدينة بون الألمانية نداءً، بل تحذيراً، من أجل إنقاذ البيئة والحياة على الأرض. ذكّروا الإنسانية جمعاء «أن الأرض، بكل الحيوات التي تنطوي عليها، تبقى منزلنا الوحيد». فهل يعقل أن يمعن الإنسان في هدم منزله الوحيد؟
نعم، إنه يفعل ذلك دونما هوادة رغم كل التحذيرات والمناشدات. فمنذ «نداء ريو» في العام 1992 لمناسبة انعقاد المؤتمر العالمي الأول للمناخ في البرازيل الذي وقّعه آنذاك 1700 عالم وباحث بينهم نحو مئة حائز على جائزة نوبل في اختصاصه، تضاعف معدل الاتجاه الانحداري للخط البياني لبعض المؤشرات التي تناولها ذلك النداء، إذ ارتفعت حرارة الأرض مع ارتفاع ثنائي أوكسيد الكربون (CO2)، وانحسرت رقعة الغابات، وانخفضت ولادات الحيوانات الثديية والطيور والأسماك بنسبة الثلث، و تدنّى حجم المياه الحلوة إلى النصف. ذلك كله دفع الأمم المتحدة إلى اعتبار تغيّر المناخ أحد التحديات الرئيسية في عصرنا لأن الاحتباس الحراري يبدّل أنماط الطقس، ويهدد الإنتاج الغذائي، ويرفع منسوب مياه الأنهار والبحار، ويزيد خطر الفيضانات.
ما كان حال الأرض، منزلنا الوحيد، تتدهور على هذا النحو لولا فشل الإنسانية، أي الإنسان أفراداً وجماعات وحكومات، في التزام المتطلبات والشروط اللازمة لمواجهة التحديات البيئية المتفاقمة.
مسؤولية الفشل، في هذا المجال، تقع على عاتق الدول والحكومات بالدرجة الأولى. ذلك أنها تمتلك سلطة التحليل والتحريم والتنظيم والمنح والقمع، وقد قصّرت في الوفاء بموجباتها جميعاً. ولعل أكثر الظواهر مدعاة للقلق والأسف أن الولايات المتحدة، وهي كبرى الدول الصناعية في العالم، انسحبت بقرار من الرئيس دونالد ترامب من اتفاقية باريس المناخية (2015) في شهر يونيو/حزيران الماضي.
يلي الدول والحكومات في تحمّل مسؤولية الفشل في التزام متطلبات وشروط حماية البيئة ووقف الاعتداء على الطبيعة، فريق من رجال الأعمال والصناعيين والتجار الذين يتوخون الربح بأي ثمن ولو على حساب صحة الإنسان. وهل بقيت خافية عن الرأي العام المحلي والعالمي فضائح شركات التبغ والمبيدات الزراعية في دفع الرشى لأهل السلطة وتزوير الدراسات وتعميم الإعلانات والدعايات من أجل التغطية على مخاطر استعمال منتوجاتهم وتوسيع تسويقها وترويجها ؟
هذه المخاطر والكوارث والتحديات التي تواجه الإنسانية تستوجب مواجهةً جدّية، سريعة وفاعلة، على جميع المستويات وفي كل أصقاع كوكبنا الأرضي. ولعل أول التدابير وأفعلها الواجب اتخاذها في هذا المجال هو التوعية بمفاعيلها ونتائجها الكارثية وحتمية انعكاسها على جميع الدول والمجتمعات في عالمنا المعاصر. فالأرض والطبيعة والبيئة متّحدات كونية مترابطة وممتدة بعناصرها ومكوّناتها كافةً على مستوى كوكبنا برمته، ولا سبيل لأي دولة أو إقليم أو منطقة أن تبقى بمنأى عن مفاعيلها وتأثيراتها.
ثاني التدابير المتوجب اتخاذها وتنفيذها إقامةُ وكالات أو مؤسسات أممية عابرة للدول والمجتمعات، بمعنى أن تكون نُظمها وقوانينها وسلطاتها واجبة الاحترام والتنفيذ في كل مكان أو فضاء في كوكبنا وعلى نحوٍ يتجاوز دونما عوائق مفهوم سيادة الدولة المتعارف عليه تقليدياً.
ثالث التدابير الواجبة التنفيذ وضعُ ميثاقٍ توأم للإعلان العالمي لحقوق الإنسان جوهره حماية حقوق الأرض والطبيعة والبيئة، وإقرار نظام عقوبات لمحاسبة ومعاقبة المخالفين أمام محاكم مختصة، وطنية وأممية. ولا غلو في المطالبة بأن تكون عقوبة الجرائم المدمّرة للطبيعة والبيئة مساوية في شدتها لعقوبة جرائم الحرب الوحشية والإبادة العنصرية.
أخيراً وليس آخراً، الدول المنتجة للنفط والغاز مدعوةٌ قبل غيرها وأكثر من غيرها إلى التحوّط لنتائج الاعتداء على الطبيعة والبيئة وردود الفعل المتعاظمة عليها ولا سيما لجهة سنّ قوانين وإقرار أنظمة وآليات هادفة إلى خفض الاحتباس الحراري بالحدّ من استهلاك الوقود الأحفوري (النفط والغاز) وتعزيز الاعتماد على الطاقات الخضراء والتكنولوجيا الخضراء.
لتفادي خسارة عوائد النفط والغاز برمتها، وهي عماد الدخل الوطني في الدول المنتجة لهما نتيجة تقليص وربما تحريم استعمال الوقود الأحفوري، يقتضي المبادرة بلا إبطاء إلى التخطيط للتثمير والاستثمار والتوظيف في صناعات توليد الطاقة من المصادر الخضراء المتجددة كأشعة الشمس، والرياح، وتساقط المياه، وبعض النباتات والمزروعات.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى