غير مصنفة

العدل.. وإن تأخر

صادق ناشر

الحكم بالسجن المؤبد الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، الخاصة بيوغسلافيا السابقة في لاهاي قبل أيام، وطال الزعيم العسكري السابق لصرب البوسنة راتكو ملاديتش، أثار ردود أفعال دولية كبيرة مؤيدة، باستثناء روسيا، التي رفضت الحكم، واعتبرته منحازاً ويقوض جهود المصالحة في منطقة البلقان. فالموقف الروسي يعتبر هو الآخر «منحازاً» نظراً للعلاقة التي تربط روسيا بالبلقان وجمهورية يوغسلافيا السابقة، على وجه التحديد.
لم يكن ملاديتش قائداً عسكرياً عادياً، بل أنه يوصف باعتباره واحداً من كبار قادة صرب البوسنة الذين ارتكبوا جرائم حرب، جنباً إلى جنب مع الزعيم الصربي رادوفان كاراديتش، حيث يلقب ب«جزار البلقان»، لارتكابه جرائم إبادة وغيرها خلال الحرب التي وقعت بين عامي 1992 و1995 وأسفرت عن مقتل نحو 100 ألف شخص، فالرجل، وفق القضاة، الذين اصدروا الحكم «قاد القوات البوسنية الصربية التي ارتكبت عمليات إعدام واسعة».
مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان رحبت بالحكم الصادر ضد ملاديتش، واصفة إياه بأنه «انتصار مهم للعدالة»، وبحسب رعد الحسين، المفوض السامي لحقوق الإنسان، فإن «ملاديتش تجسيد للشر»، فالحكم يعد إنذاراً لمرتكبي مثل هذه الجرائم بأنهم لن يفلتوا من العدالة، أياً كان نفوذهم، ومهما طال الزمن سيحاسبون جميعاً.
العدل وإن تأخر، هو مضمون الحكم الذي طال «جزار البلقان»، والذي كان واحداً من عدد كبير من قادة صرب البوسنة، الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، خاصة في سربرينيتشا، حيث راح ضحية هذه المذبحة الجماعية التي شهدتها البوسنة والهرسك في يوليو/تموز 1995 ما يقرب من 8 آلاف شخص من المسلمين البوسنيين.
كانت مجزرة سربرينيتشا البوسنية الأبشع في أوروبا في عصرها الحديث، وقد وصفها الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينز ستولتنبرج بأنها «الفصل الأسود في تاريخ أوروبا»، معتبراً أن هذا «يظهر أن سيادة القانون هي السائدة، وأنه يجب محاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب».
الحكم يؤكد أن العدل، وإن تأخر سنوات، لابدّ أن يأتي، ومحاكمة قادة صرب البوسنة على الجرائم التي قاموا بارتكابها، تأخرت كثيراً، إلا أنه في نهاية المطاف أصدرت أحكامها وانتصرت للضحايا، وكان أول المدانين في هذه الحرب زعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كاراديتش، الذي حكم عليه بالسجن لمدة 40 سنة، حيث وجدته المحكمة التي تشكلت لهذا الغرض مذنباً بالإبادة التي نفذت بحق سكان مدينة سربرنيتشا البوسنية عام 1995 إضافة إلى تسع تهم أخرى تتعلق بجرائم ضد الإنسانية.
كاراديتش كان مسؤولاً عن حصار سراييفو، واقترف جرائم ضد الإنسانية في عدد من قرى وبلدات البوسنة، وبحسب شهادات الناجين من الحرب هناك، فإنه كان ينوي القضاء على الرجال من مسلمي البوسنة في سربرينيتشا، في واحدة من أبشع جرائم الحرب التي اقترفت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
هل أقفل الملف بالحكم على كاراديتش وملاديتش؟
بالتأكيد لا، لأن ملفات الجرائم التي ارتكبت في حرب البوسنة والهرسك لا تزال مفتوحة، ولا شك في أن أرجل قادة عسكريين ستجر إلى المحكمة، وستطالها العدالة، ولو جاءت متأخرة.

sadeqnasher8@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى