غير مصنفة

فيروز في يوم غائم

د. حسن مدن

منذ يومين أو ثلاثة، والجو عندنا في البحرين غائم، تتخلله أمطار متفاوتة الغزارة، ندعو الله أن تستمر، وأن تزيد غزارة مع معرفتنا بما قد يؤدي إليه ذلك من غرق الشوارع، فالبنية التحتية في بلداننا ليست مهيأة لاستقبال المطر، خاصة حين يكون غزيراً.
المطر، رغم ذلك يظل ضيفاً عزيزاً حين يهطل، به تفرح نفوسنا وتضحك الأبصار، وحتى لو اكتفينا من الغنيمة بالإياب، فلم يهطل المطر كما نرغب، لكن الجو ظلّ غائماً، فتلك بدورها نعمة. ليس لأننا لا نحب الشمس، لكننا نسألها الرفق بنا بعد شهور القيظ الطويلة، بأن تتوارى ولو لبضعة أيام، وإن ساءها الغياب ولو لحين، فلتكن رحيمة وهي تبدد الغيم، الذي «تطاول» على مجالها الحيوي، فما منحتنا إياه من ضوئها الساطع، الحامي، يفيض عن حاجتنا.
سبق أن أشرنا مرة إلى شاعر أجنبي بلغت به الكآبة مبلغها فهتف غاضباً: «سأبدد الغيوم بيدي»، ولنا أن نتخيل ما الذي تفعله الغيوم في النفس حين يطول مكوثها فيستغرق شهوراً متواصلة، لا يرى الناس فيها الشمس، ولهؤلاء المقيمين هناك، حيث الشمس لا تزورهم إلا نادراً، أن يغبطونا نحن الذين تستوطن الشمس سماءنا على مدار العام، ما يجعل الجو الغائم يبعث في نفوسنا هذا المزيج الرائع من الفرح والشجن، من الغبطة والحنين، فنكاد نرفع أيادينا إلى السماء مبتهلين: أيها الغيم، أطل مكوثك فقد اشتقنا لك.
لا أعرف ما سر تلك الوشيجة الغامضة بين هذا الجو وبين صوت فيروز. فيروز رائعة في كل الأوقات، ولكن أن نسمع صوتها في جو غائم، وحبذا لو كان ذلك بمحاذاة البحر، فإن شلالات من الحنين تنهمر في نفوسنا حين ينسل صوتها العذب، الفرح، الشجي إلى دروب القلب، ويا لها من دروب!
على صفحتها في «فيسبوك» طرحت الشاعرة الأردنية الصديقة كوثر الزعبي، منذ أيام، سؤالاً لأصدقائها على الصفحة، عن المقطع الأكثر حضوراً في ذاكرتهم من أغاني فيروز. سؤال شائق ومحفز، فانهالت عليها عشرات الردود، وكان بودي لو نقلتها كلها هنا، لنرى جميعاً أن لكل منا «فيروزه»، بمعنى أن أغنية من أغنياتها لامست في نفسه وتراً عزفت عليه، لكن المساحة لن تتسع لكل تلك الردود، لذا سأكتفي بنماذج منها، علها تحثكم على التفكر في السؤال والجواب عليه.
من المقاطع التي أشير إليها: «زعلي طوّل أنا وياك»، «بكتب اسمك يا حبيبي»، «يا طير يا طاير على أطراف الدني» «نسّم علينا الهوى»، «يا امي ما بعرف كيف حكّاني»، «اذا رجعت بجن وان تركتك بشقى»، «بعدك على بالي»، «تلفن عياش»، «يا حلو يا مغرور»، «كان الوداع ابتسامات مبللة بالدمع حيناً»، «كيفك انت»، «حبيتك تا نسيت النوم»، «في القهوة البحرية».

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى