غير مصنفة

انبعاث تجارة الرقيق

د. حسن مدن

صحيح القول إن المصائب لا تأتي فرادى، فهذا ما يظهره واقع ما يجري في العديد من بلداننا العربية، فحين تنهار الدول تعمّ الفوضى والخراب، وتقترف أبشع الموبقات، ولا يعود هناك سلطان للضمير أو للمعايير الأخلاقية أمام سطوة السلاح الأهوج وقد بات في أيادي «الزعران» من ميليشيات غير منضبطة، ومن عصابات مافيا، ومن متاجرين ومقامرين ومرتزقة.
بعد جرائم سبي النساء وبيعهن في أسواق النخاسة في العراق وسوريا على أيدي عصابات «داعش»، ومن على طرازه من جماعات، تأتي جريمة جديدة، لا تقل بشاعة ووحشية، هي بيع الرقيق، ومسرحها، هذه المرة أيضاً، بلد عربي هو ليبيا، في ثمرة أخرى من الثمار المُرّة للفوضى المدمرة التي هندس لها المحافظون الجدد، وأعلنتها على الأشهاد الناطقة باسمهم في حينه، كوندليزا رايس، قبل أن نشهد تجلياتها بدءاً باحتلال العراق وما تلاه، وصولاً إلى انفجارات العام 2011، التي جرى توجيهها وجهة شريرة من ذات الدول والقوى التي تجاهر بمصلحتها في تعميم الفوضى في ديارنا العربية.
كان العالم، ولنصفه مجازاً بالمتحضر، يرى أن تجارة الرقيق قد ولّت من غير رجعة، وأن تلك الصفحة السوداء الموجعة من التاريخ ببيع البشر والمتاجرة بهم، وترحيلهم قسراً من قارة إلى قارة، ليتعرضوا لأبشع أنواع الاستغلال والإذلال، قد طويت نهائياً، وإن كانت بصماتها ظلت كوصمات عار في تاريخ البشرية، ولكن ما تنقله وكالات الأنباء، وبالفيديو، من صور لأسواق بيع وشراء الرقيق في ليبيا، تظهر، مجدداً، أن البشر ما زالوا يختزنون في دواخلهم جرعات ليست قليلة من التوحش، وأمر مخزٍ أن تكون بلداننا نحن بالذات، لا سواها، ساحات لتجليات هذا التوحش، حتى وإن كان الشركاء في ارتكابه من بلدان مختلفة.
وليس بوسع الغرب المتباهي بحضارته وتقدمه، كثير الزعم باحترام القواعد والمعايير الإنسانية عند وضع وتنفيذ السياسات، أن يعتبر نفسه بريئاً من كل هذا الذي يجري، هو الذي أمعنت دوله في إشاعة الفوضى بتدمير الكيانات الوطنية القائمة التي كانت، على هشاشتها وتردي أدائها، تضمن حدوداً ضرورية من الاستقرار والسلطة المركزية والسيادة على الأراضي، ليحل بعد ذلك الخراب الذي نشهد.
أليس «الناتو» بالذات هو من دمَّر ليبيا كدولة، وأسقط نظامها، وهو نفسه النظام الذي كان يمول الحملات الانتخابية لزعماء أوروبيين ساهموا في إسقاطه، كما هي حال الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي؟
وكما في حال العراق، لم يكن الغرب، وهو يقترف ما اقترف في ليبيا، يملك رؤية أو برنامجاً لبناء دولة ديمقراطية جديدة، بقدر ما كانت تحركه مطامعه الأنانية، فحوّل البلد، إلى غابات مدججة بأسلحة الميليشيات، ومأوى لمهربي البشر والاتجار بهم، في أكثر الصور بدائية وهمجية.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى