غير مصنفة

للذين لم يعد يخيفهم العقاب

مارلين سلوم

«العلاج بالكي»، هكذا كانوا يصفون العلاج الأمثل لأية مشكلة أو معضلة صعبة يواجهها الإنسان ولا تنفع معها المعالجات السطحية. وكي الجرح يترك أثراً، لكنه يقضي على النزيف ويمنع انتشار التلوث إلى أنحاء أخرى من الجسد. وهو ما يمكن تطبيقه على حالات صعبة، مثل تعاطي المخدرات، الذي تحتاج معالجته إلى ما ينزع السم من بدن المتعاطي، ويغلق عليه كل رغبة في التفكير بالعودة إليه مرة أخرى.
الكي هنا مجازي، والمقصود به اتخاذ إجراءات رادعة، تقطع الطريق على المتعاطين والمروجين، وتحمي الشباب من شر أنفسهم ومن شر المتلاعبين بعقولهم، وتنقي المجتمع من آفة تجد دائماً السبل للتسلل إليه وعبر طرق غير مشروعة.
حين نقرأ أن دائرة القضاء في أبوظبي تعتزم إنشاء محكمة ونيابة متخصصة في قضايا المخدرات العام المقبل، نرى أملاً يكبر في التوصل إلى علاج لهذه القضايا، شرط أن يكون حاسماً ورادعاً للشباب، الذين لم يعد يخيفهم «العقاب». كيف يخيفهم ما دام القانون يسمح لهم باستبدال العقوبة بغرامة مالية، يدفعها الأهل في الأغلب مجبرين لإخراج أبنائهم من الحجز، ومن لا يدفع لا يمانع في قضاء بضعة أيام في مركز للعلاج، يخرج بعدها حراً طليقاً، يبحث عن أصدقائه المدمنين، لتتواصل حلقات السمر والضياع؟
مهم أن يرى القضاء نقاط الضعف ويعمل على إصلاحها وتعديلها. فوفق المستشار محمد راشد الضنحاني رئيس نيابة أول نيابة بني ياس الكلية، تعود «أسباب زيادة عدد قضايا المخدرات وسط الشباب، إلى تخفيف العقوبة ضد المتعاطي في التعديلات التشريعية الأخيرة واستبدال العقوبة بتدبير الإيداع أو الغرامة المالية..» وهو ما يستوجب تعديلاً مهماً، يردع هؤلاء ويحاسبهم باعتبارهم يرتكبون جريمة بحق أنفسهم أولاً، وبحق أهاليهم ثانياً، وبحق المجتمع ثالثاً.
المتعاطي قد يتحول إلى مجرم حقيقي إذا لم يجد ما يردعه ويقف في وجه إدمانه. والأهالي الذين يتسترون على أبنائهم المتعاطين للمخدرات خوفاً عليهم من العقاب والاحتجاز، أو خشية من «الفضيحة» بين الأقرباء والمعارف الجيران، فإنما هم أيضاً يرتكبون جريمة في حق أبنائهم، بمساعدتهم عن غير قصد على السير قدماً نحو الإدمان.
إنشاء محكمة ونيابة متخصصة، والبحث في تطوير القانون ومواده لمنع انتشار هذا الوباء بين الشباب، وزرع الخوف في نفوسهم ونفوس أهاليهم، مطلب ضروري وملح. فإن لم تكن العقوبة موجعة، تكوي الجرح وتترك أثراً يتعلم منه الإنسان درساً لا ينساه، ويخاف على نفسه وعلى من حوله، فلن يجد المدمن ما يمنعه عن طريق ارتكاب جريمة بحق نفسه، وبحق مستقبله، والأخطر، أن يزداد أعداد المدمنين، بينما الدولة تسعى لإنشاء أجيال من القادة والمبتكرين والمبدعين لمستقبل أفضل ومجتمع أرقى.

marlynsalloum@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى