غير مصنفة

الكتابة موسيقى أيضاً

د. حسن مدن

هناك كتاب يقولون إنهم لا يستطيعون الكتابة من دون أن يكونوا يستمعون إلى الموسيقى. مثلهم يقول فنانون تشكيليون إنه ليس بوسعهم الرسم إلا على صوت الموسيقى. وفي الأمر فكرة، ولا شك. ربما تطلق الموسيقى العنان لمخيلات الكتاب والفنانين، وربما تخلق في النفوس حالاً من السكينة تجعل المبدعين يبدعون.
لكن كاتباً كبيراً مثل جابرييل ماركيز قال مرة إنه لا يستطيع أن يكتب وهو يستمع إلى الموسيقى، لأن الإصغاء إليها يشتت ذهنه، حيث ينصب تركيزه على ما يسمعه لا على ما هو بصدد كتابته، مع أنه يقول إنه استمع إلى الموسيقى بقدر يفوق ما قرأ من الكتب، وإن هناك المزيد منها كان عليه أن يسمعه.
بعيداً، وربما قريباً، من مسألة العلاقة بين اقتران طقس الكتابة بالموسيقى، يعتقد ماركيز أن «مئة عام من العزلة» هي أغنية شعبية من أربعمئة صفحة، وأن «الحب في زمن الكوليرا» هي رقصة بوليرو في ثلاثمئة صفحة.
ويذكر أنه لم يندهش حين أتاه موسيقي موهوب ليقول له إنه يجد في رواية «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» بعض عناصر التأليف الموسيقي، وهي، بالمناسبة، وعلى صغر حجمها، من أجمل رواياته، لكنه يعتبرها من أبسط هذه الروايات، وكتبها، على ما قال، في أحد الفنادق في باريس في ظروف شديدة القسوة، بينما كان ينتظر وصول خطاب يحمل شيكاً لم يصل مطلقاً، وكان عزاؤه الوحيد في تلك الأوقات هو سماع الموسيقى من المذياع.
كما لم يندهش حين زارته مجموعة من الموسيقيين الشباب بعد أن قرؤوا «خريف البطريرك» ليقولوا له إن بنيتها مستوحاة من حفل البيانو الثالث للمجري بيلا برتوك، فهو يذكر أنه طوال السنوات الأربع التي استغرقها في كتابة الرواية كان منغمساً في الاستماع إليه.
ومع أنه يجهل تماماً أياً من قوانين التأليف الموسيقي، ولا يستطيع البتة أن يكتب قصة ببنية موسيقية متعمدة، لكنه يرى أن العمل الأدبي هو أداة للإيحاء تماماً كالموسيقى، ولذلك فإن أي خطأ في الإيقاع يمكن أن يضيع سحر التأثير، وفيما يشبه الدرس البليغ الذي يقدمه ماركيز للكتاب يقول إنه لا يجرؤ على تسليم عمل للمطبعة قبل أن يقرأه بصوت مرتفع ليصبح واثقاً من انسيابيته.
لذلك فإنه أوضح للموسيقي الموهوب الذي أتاه ليخبره بوجود عناصر التأليف الموسيقي في «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، أنها ليست الرواية الوحيدة التي يمكن العثور فيها على ذلك، فحتى في أصغر الفقرات وأقلها شأناً في أعماله نجده يحرص على ذلك الإيقاع الانسيابي، لكنه يستدرك بالقول: «نحن الكتاب الذين نعتمد على الحدس لا نفضل أن نفيض في الكشف عن تلك الأسرار التقنية، ففي مهنة مثل مهنتنا لا يوجد أخطر من فقد البراءة».

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى